نهاية ترامب وترسيخ الترامبية

لى مدى السنوات الأربعة الماضية، حاول بعض النخب السياسية والفكرية في بلداننا، تقديم ترامب كونه استثناء في الديمقراطية الأمريكية. لقد بالغوا في هذا الأمر، لدرجة أنه يتبادر إلى الذهن أحيانا أنه إذا تم تقسيم العالم إلى ما قبل وما بعد كورونا، فسوف تنقسم الولايات المتحدة إلى ما قبل ترامب وما بعده. لكن الترامبية ستبقى؛ لأنه قد حصل ترامب على 71 مليون صوت. إذ خسر بعد حصوله على أصوات أكثر من الفترة السابقة. لذلك لم يفقد ترامب مصداقيته في الولايات المتحدة فحسب، بل اكتسب مصداقية أكبر من حيث عدد الأصوات.

 لقد خسر ترامب، ولكن من خلال تصويت الأغلبية، وعلى حد تعبير أوباما، العدد الكبير لأصوات كلا المرشحين، يظهر فجوة عميقة للغاية في أمريكا؛ فجوة ليس فيها أقلية أو أغلبية وستظل كما هي مثل المنافس الكفؤ. السؤال الأساسي هو، إذا كان ترامب هو الرئيس الأسوأ والأكثر شراسة وغير العقلانية للولايات المتحدة –وهو بالفعل يتسم بهذه السمات-فلماذا زاد عدد أنصاره بعد أربع سنوات؟ كم هي نسبة الأمريكيين الذين يؤمنون بالصورة التي رسمناها عن ترامب؟ لماذا لم تقلل هذه الصورة القبيحة من عدد الأصوات التي حصل عليها مقارنة بالفترة السابقة؟ للإجابة على الأسئلة أعلاه، لا بد من القول إن هذا هو واقع أمريكا. إنها ديمقراطية أمريكية يكتسب فيها ترامب، بكل ما يرتكبه من فوضى وجريمة، مزيدا من المصداقية ويخرج من السلطة بمصداقية تعادل المنتصر.

يظهر زيادة عدد الأصوات التي حصل عليها ترامب أن اغتيال أمثال الشهيد سليماني، والانسحاب من عدة منظمات دولية، واستفزاز كوريا، والغضب الأوروبي لا تؤثر على الشعب الأمريكي على الإطلاق. المغامرة وحب المغامرين جزء من الثقافة الأمريكية وقيمها. لهذا السبب أرى إن ما بعد ترامب يعد استمرارا واستقرارا للترامبية، لأنه لن يتغير شيء. إنما يتغير هو “الأسلوب والطريقة”. الصهاينة ما زالوا الخط الأحمر، الفريق الجديد أعلن القدس عاصمة لإسرائيل، وافقوا على ضم ترامب أحادي الجانب لمرتفعات الجولان لإسرائيل، وأعلنوا إن اغتيال الحاج قاسم يأتي تطبيقا للعدالة، الوضع في كل من أفغانستان، العراق وسوريا سيستمر كما هو الآن.

 ستكون هناك عودة للمنظمات والمعاهدات الدولية، لكن الغرض من هذه العودة هو استخدام الأعراف والمعايير الدولية لأهداف محددة. ما قام به ترامب كان واضحا وعلنيا، لكن الفريق الجديد يعمل باحترافية من خلال تغيير الأسلوب والحفاظ على الصورة الناصعة التي يقدمها. بعبارة أخرى، لم يكن ترامب سياسيا، لكنه كان مشبعا بالثقافة والقيم الأمريكية التي كان هو نفسه تجسيدا لها في الداخل والخارج. لكن الفريق الجديد سيرتدي زي الأناقة العالمية. وسيعود إلى الاتفاق النووي، لماذا؟ لتطبيق آلية الزناد والحصول على موافقة الأوروبيين ومجلس الأمن. ومن المفارقات أن ترامب كان الرئيس الأمريكي الوحيد الذي لم يبدأ حربا، لكنه لم يعرف كيف يغير اللهجة.

نتاج الثقافة الأمريكية في مجال السياسة هو أشخاص يحملون في أيديهم حساما لا ينظرون إليه بمسؤولية. الأخلاق بعيد كل البعد عن هذا الحسام. مثله مثل كبير قوم لا يحقق عظمته بالديمقراطية والتواضع، بل يحب على المجتمع أن يخاف منه، وهو نفسه يستمتع بهذا الخوف ويخطط لإنتاج هذا الخوف. الناخبون الأمريكيون -وخاصة أنصار ترامب -هم شعبويون لديهم القوة والثروة والأسلحة، لكنهم لا يتمتعون بثقافة التعايش مع مكونات القوة هذه، والمشكلة أنهم يرون ثقافتهم على أنها مركز عولمة الثقافة والسياسة من خلال الترهيب والإكراه.

صحيفة جوان

النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *