ماضي فرنسا الاستعماري الأسود في الجزائر غير قابل للإصلاح

بين الجزائر وفرنسا كمٌّ هائل من الخلافات والاختلافات وحتى الأحقاد. كلها يعود إلى الحقبة الاستعمارية وجراحها الكثيرة والعميقة. كل محاولات القفز على هذه الحقيقة، في الماضي القريب والبعيد، وكل محاولات الادعاء أنها غير موجودة، أو بسيطة، باءت بالفشل.

هناك ثلاثة أوجه في الذاكرة الجزائرية الفرنسية التي عمرها 132 سنة. داخل الإرث الثنائي المشترك بين البلدين، هناك ذاكرة جزائرية جزائرية وأخرى فرنسية فرنسية. كل وجه من هذه الأوجه مزروع بألغام كثيرة وخطيرة. هذا ما يفسر خوف البلدين من فتح الملفات، وعجز المؤرخين والمثقفين فيهما عن الوصول إلى اتفاقات تاريخية.

الذاكرة الفرنسية الجزائرية المشتركة ملغومة أيضا بالسياسة في وجوهها البشعة. في البلدين لوبيات يحركها الرفض للآخر والحقد عليه. وضع فرنسا ومؤرخيها وقادة الرأي فيها الراغبين في مصالحة تاريخية، أكثر صعوبة، بسبب لوبيات الرفض المنظمة والمهيكلة والقادرة على إسماع صوتها والتأثير سلبا. هناك قدماء المحاربين الفرنسيين، و«الحرْكى» الجزائريون وأبناؤهم وأحفادهم، وهناك لوبيات المؤرخين، ولوبيات الإعلام والإعلاميين. وأخيرا هناك السياسيون المعاصرون بقيادة اليمين المتشدد. هؤلاء يجمعهم رفضهم لذات 5 يوليو (تموز) 1962 عندما غادر الفرنسيون جنّة آنذاك اسمها الجزائر.

كثيراً ما سمعنا سياسيينا يردّدون أنّ فرنسا اقترفت جرائم كثيرة في تاريخها الاستعماري الأسود في المغرب العربي، والجزائر، بصفة خاصّة، باعتبار طبيعة الاستعمار الاستيطاني الذي ساد فيها لأكثر من 130 عاماً، وفي تونس والمغرب، وأنّه قد حان الوقت لأن تدفع ثمن ذلك الإجرام من خلال برلمانات البلدان المغاربية المستقلّة، وهو ما لم يحدث، بعد مرور قرابة سبعة عقود على استقلال الدول الثلاث. لماذا؟ هي محاولة للإجابة عن الحالتين التّونسية والجزائرية، لأنّهما تكرّر حديث أجهزتهما التشريعية عن قوانين تجريم الاستعمار الفرنسي، من دون تجسيد.

هناك أكثر من مرجعية تاريخية يتأكّد بها حجم الجرائم التي اقترفها الاستعمار الفرنسي في تونس (انتداب) والجزائر، ولعلّ أهمّ المراجع هي التي كتبها الفرنسيون أنفسهم، عن وجودهم في البلدين، وكيف كان التعامل بالتجاوزات، الجرائم والسّجن لكلّ من تسوّل له نفسُه رفع الصوت للتّنديد بالنّظام الاستعماري ومنجزاته التي حاول إظهار أنّها من صميم العمل الرسالي الحضاري الذي حاولت تمجيده، وبخاصّة في الجزائر من خلال سنّ قانون، في عام 2004، في ظلّ حكم الرئيس الرّاحل شيراك، وهو نفسه، الرئيس الذي كانت له الإجابة الشهيرة، في زيارة قام بها لتونس، على أحد الطلاب، يومئ إلى الطبيعة البوليسية للنّظام التّونسي تحت حكم الرّئيس السّابق بن علي، هل تأكلون، هل تشربون…؟ وكأنّ الدّيمقراطية، كرامة المواطن أو حقوقه، في إدراك ذلك الرّئيس الذي سنّ قانون تمجيد الاستعمار في الجزائر، لا تتعدّى، بالنسبة إلينا، في بلداننا، حتّى ونحن مستقلّون، مجرّد الحصول على ما يشبع جوعنا ويروي عطشنا، من دون أن يتجاوزه إلى المطالبة بالتّغيير أو المواطنة، ذلك أنّ فرنسا لا يمكنها أن تتصوّرنا بعيداً عن نظام قانوني سنّته، في الجزائر بصفة خاصّة، في عام 1870، يُدعى قانون الأهالي، جعلت من الجزائريين، بموجبه، بشراً من طبقة متدنية، مقارنةً باليهود الذين منحتهم، ثلاثة عقود بعد ذلك، باسم قانونٍ يُعرف بقانون كريميو، الجنسية والمواطنة، في الجزائر.

تلك بعض الحقائق التي يجب الانطلاق منها، وقد تزيدها وضوحاً الإشارة إلى أن عدد الشهداء من عام 1830 إلى 1962، فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر، يناهز عشرة ملايين، أي ما يفوق عدد سكّان الجزائر في أوّل عملية إحصاء، بعد الاستقلال، وهو ثمانية ملايين، مع العلم  

أن عدد ساكني الجزائر، بالحدود التي نعرفها عنها، منذ 1830، كان، وفق مراجع تاريخية عديدة، يقدَّر بين ستة وسبعة ملايين نسمة، أي إنّ نسبة نموّ سكّان الجزائر، فترة تفوق 130 عاماً، كانت صفراً أو سلبية، في حين أنّ عدد سكّان فرنسا، في 1830، يقدَّر بنحو 25 مليوناً، تضاعف ليصل في عام استقلال الجزائر إلى زهاء 50 مليون نسمة، على الرغم من كلّ الحروب (ثلاث حروب كبرى: 1870، ضدّ ألمانيا ثم الحربين العالميتين، الأول والثانية) التي دخلتها فرنسا، والأوبئة التي فتكت بالملايين، ما يعني، في عملية حسابية بسيطة، أنّ نسبة من قتلتهم فرنسا، من الجزائريين، يقارب العدد المشار إليه، أو يفوقه قليلاً، مع العلم أنّ عدد ضحايا الهمجية الفرنسية في مايو/ أيّار 1945، في بضعة أيام، فقط، فاق 45 ألف شهيد ولفترة سبع سنوات ونصف، من الحرب التحريرية الكبرى (1954-1962)، ناهز 1.5 مليون شهيد. وما زلنا نكتشف مقابر جماعية برفات مئات بل آلاف ممّن قضوا تحت التّعذيب الفرنسي البغيض، وهو ما قد يرفع العدد في تلك الحرب إلى قرابة مليوني شهيد.

وإذا كانت الجرائم ضدّ الإنسانية هي تلك التي تُقترف عندما يُقتل عشرات، مع سبق الإصرار والترصد، وبإيعاز من سلطات بلاد ضدّ بلد آخر (أو داخل البلد الواحد) باستهداف مجموعة بشرية معيّنة، فلا ندري بأيّ وصفٍ يمكن وسم الجرائم الفرنسية في الجزائر، لأنّ القيام بمحاولة قتل شعب بأكمله، بكلّ الوسائل، مدّة فاقت قرناً، بغرض الاستحواذ على أرضه (تجربة استيطانية لم يعرفها الإنسان إلا في فلسطين والجزائر وجنوب أفريقيا، من دون أن ننسى أستراليا والقارة الأميركية، شمالها وجنوبها)، هي جريمة تحمل تلك الأوصاف، وتنسحب عليها تلك الآثار القانونية، كذلك فإنه لا تنسحب عليها آثار التّقادم، ولو بعد قرون.

بالنّسبة إلى تونس، تكفي الإشارة إلى عملية عسكرية فرنسية واحدة حدثت في فبراير/ شباط 1958، أي بعد استقلال البلاد، في 1956، جرت وقائعها في قرية سيدي يوسف، على الحدود الجزائرية التونسية، حيث هاجمت الطائرات الفرنسية القرية المتّهمة بالإسهام في دعم  

“عدد ضحايا هجمة مايو 1945، في بضعة أيام، فاق 45 ألف شهيد، ولفترة سبع سنوات ونصف، من حرب التحرير الكبرى، ناهز 1.5 مليون شهيد”الجهود العسكرية الجزائرية في حربها ضد الجيش الفرنسي، وقد قُتل في تلك العملية قرابة 80 تونسياً، من بينهم 11 امرأة و20 طفلاً، لتكون – بمقاييس القوانين العالمية – جريمة حرب ضدّ الإنسانية اقترفتها السّلطات الرّسمية الفرنسية (الجيش والاستخبارات الفرنسيان).

شهدنا، هذه الأيّام، بعد الجريمة العنصرية التي راح ضحيتها جورج فلويد في أميركا، تلك الهبّة الإنسانية لنزع تماثيل تاريخية لشخصيات كان بعضها استعمارياً (كولومبوس مكتشف القارّة الأميركية). وبعضها الآخر من تجّار الرّقيق (تمثال بريستول البريطانية)، بل ذهب الآخرون إلى التّنديد بأهمّ فيلم في تاريخ السينما الأميركية، “ذهب مع الريح”، ليُشطب من قائمة الأفلام التي يمكن مشاهدتها على منصّات أفلام وأعمال فنّية في أوروبا وأميركا، بحجّة أنّه يمجّد فترة الرّقيق في الولايات الجنوبية الأميركية في فترة الحرب الأهلية في ستّينيات القرن التاسع عشر.

إذا كانت هذه جريمة واحدة، عنصرية ومقيتة، فكيف بتاريخ مقيت للقتل والنّهب والجرائم ضدّ الإنسانية وبملايين من الضّحايا، لا يكون موضوعاً لتشريعات، في بلداننا، لتجريم الاستعمار؟ هل هي سياسة توازن قوى لا يمكنها التعرّض لإشكالية ليست عاطفية، بل تاريخية، قانونية، وذات صلة بحقّ من قضى من الشهداء؟ ما لا يعرفه بعضهم عن الجزائر، أنّ المسألة لصيقة بالعقل الجمعي، لأنّه ما من عائلة جزائرية إلا وهي تملك تاريخاً بأسماء عشرات من أبنائها ممّن قضوا، على مرّ قرن ونيّف من الفترة المقيتة التي أسماها، بحقّ، فرحات عباس، أوّل رئيس للحكومة الجزائرية المؤقتة (حكومة تكوّنت في المنفى، في أثناء الحرب التحريرية الكبرى)، اللّيل الاستعماري، في كتاب يحمل العنوان نفسه، لأنّه كان ليلاً بكل ما يحمل من معنى الظلم والجريمة.

بيت القصيد، كما يُقال، هو لماذا تعطّل مشروع قانون تجريم الاستعمار الذي قُدّم، مرّة بعد  

“سبق للرئيس الفرنسي  الحالي، إيمانويل ماكرون، أن اعترف بأن ما جرى في الجزائر، جرائم استعمارية”مرّة، لقراءة أوّلية أمام لجان البرلمان الجزائري؟ ولماذا، من الجانب التونسي، يُقال إنّ مشروع تجريم الاستعمار الفرنسي سُحب، وهو قريبٌ من التّمرير أمام البرلمانيين؟ مع العلم أنّ الحالتين، الجزائرية والتونسية، تختلفان، لأنّ الجهاز التّشريعي التّونسي وليد انتخابات حرّة ونزيهة، بالمعايير والمواصفات الغربية، في حين أنّ البرلمان الجزائري، كما هو معروف، نتاج أحزاب التّحالف الرئاسي (جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي)، ووليد فساد مالي كبير، إلى درجة أنّ ثمّة مفاهيم التصقت بالتجربة البرلمانية الجزائرية، وهي الشكارة (كيس مالي يقدم فيه مبلغ مالي لشراء الترشيح ثم المقعد البرلماني، أي الحصانة)، والكوطة (نسبة معيّنة تُحدّدها، مسبقاً، لكل حزب، يُقال، أجهزة عليا في النظام السّابق)، أي إن البرلمان غير تمثيلي. وبالتالي، ربّما فهمنا التأجيلات المتتالية لتقديم مشروع قانون تجريم الاستعمار، بل إنّ رئيساً سابقاً لجهاز أبلغ نظراءه الفرنسيين في باريس أنّ الجزائر لم يكن في نيّتها، البتة، طلب اعتذار من فرنسا عن جرائمها، فضلاً عن أن تكون قيد تحضير مشروع يجرّم فرنسا عن ماضيها الاستعماري، وربما يطالبها بتعويضات، عن ذلك كلّه، في مفهوم كلامه، طبعاً.

هذه هي الدرجة التّمثيلية لكلا الجهازين التشريعيين، فلماذا تتريّث في تقديم المشروع للتّصويت، أو لماذا لا تستفيد، على الأقل، من الحيثيات القانونية للملفات نفسها، التي اعترفت فيها السلطة الفرنسية عن مسؤولية الدّولة فيها، على غرار اعتراف شيراك بمسؤولية الدّولة الفرنسية في ترحيل يهود فرنسا في 1943، وبالتالي إمكانية أن ينال أولادهم وذووهم حقوقاً (تعويضات) من فرنسا، بل سبق للرّئيس الحالي، ماكرون، في حملته الانتخابية الرئاسية، في زيارة قام بها للجزائر، إثارة هذه المسألة بعباراتٍ يمكن اعتبارها اعترافات، حيث قال: “لا يمكن وصف ما جرى في الجزائر في أثناء الفترة الاستعمارية، إلا بأنها جرائم استعمارية”. وعلى الرغم من ذلك كلّه، ما زالت دار لقمان على حالها، لا يتحرّك لها لسان، ولا ينبس لها ببنت شفة، فضلاً عن أن يتقدّم برلمانها بقانونٍ يجرّم الاستعمار، بما أنّ الوثائق موجودة، والشهادات موثّقة، والشهادات من ألسن مرتكبي الجرائم (رسائل جنود فرنسيين شاركوا في الجرائم، تقارير جنرالات فرنسا من قادة المعارك ضدّ المقاومة الجزائرية في العقود الأولى للفترة الاستعمارية… إلخ)، من ناحية، وممّن عايشوا حرب التّحرير الكبرى وضحايا التّجارب النووية الفرنسية في الجنوب الجزائري، من ناحية ثانية.

السّؤال الذي يُطرح، بالنّتيجة، يتّصل بغياب الإرادة السياسية، وهي الإرادة التي يمكن إرجاعها إلى حقائق عدم توازن القوى بين فرنسا وجاراتها في جنوب الضفة المتوسطية، ما يؤدي بنا إلى القول إنّ الاعتذار والاعتراف بالجرائم الاستعمارية، إضافة إلى تشريع تجريم الاستعمار لا يمكن أن يأتي إلا نتيجة لمشروعين، هما قوة تتبنى الإدراكات، ومؤسّسات تمثيلية، بعدها، يمكن أن تتحرّك مرتكزة على مشروعيتها الديمقراطية… وهذا هو المحك والرهان المستقبليان في الجزائر.

لم تعتذر فرنسا الدولة إلا عن جريمة واحدة لمقاوم فرنسي شارك في الحرب التحريرية الكبرى، هو موريس أودان، لأنّه كان فرنسياً، قُتل تحت التعذيب تماماً كما قُتل بن مهيدي (قيادي من الثورة)، وغيره من الجزائريين.

جرائم السلطات الفرنسية في الجزائر، تلك الجرائم التي لن تمحى من ذاكرة الأحرار هناك.

مجازر 8 مايو 1945

في أثناء احتلال فرنسا للجزائر، وتحديدًا في الفترة الزمنية الممتدّة من 5 يوليو 1830 إلى 5 يوليو 1962، اقترفت فرنسا العديد من المجازر والجرائم بحق مئات آلاف الجزائريين التي ما زالت محفورة في الذاكرة الجماعية الوطنية.

مجازر عدّة، تفنّن الفرنسيون في القيام بها، حيث عمدت الدولة الاستعمارية إلى استخدام كل الإجراءات الممكنة والمتوفرة لديها، لقمع الجزائريين دون تمييز المدنيين العزل من أطفال ونساء وشيوخ، فقد كان همّها إذلال الجزائريين والنيل من كرامتهم بعد الاستحواذ على خيرات بلادهم.

تفنّنت فرنسا في جرائمها في حق الجزائريين، حتى أنها استعملتهم كفئران تجارب

في الثامن من مايو/ أيار 1945، كان العالم على موعد مع انتهاء النازية، لكنه كان أيضًا على موعد مع واحدة من أكثر اللحظات دموية في التاريخ الإنساني المعاصر، فقد سقط في ذلك اليوم ألاف الشهداء في مدن مختلفة في الجزائر على يد المستعمر الفرنسي.

ففي ذلك اليوم، شهدت مدن سطيف ، قالمة، وخراطة، وقسنطينة، سقوط آلاف القتلى الجزائريين (45 ألفًا بحسب إحصاءات الذاكرة الوطنية الجزائرية) برصاص الشرطة والجيش ومليشيات المستوطنين، بسبب رفع الجزائريين لعلم بلادهم.

إذ سمح الفرنسيون للجزائريين بالخروج إلى الشوارع في مظاهرات، شرط ألا تكون ذات طبيعة سياسية، وألاّ ترفع فيها أي لافتة أو رمز يدلّ على مطالب سياسية، وألا يرفع فيها أي علم بخلاف علم فرنسا، وألا يهتف بأي شعار مناهضة للفرنسية.

بدأ الجزائريون في الاجتماع صباحًا، وبدأت المظاهرات في اجتياح الشوارع، حملت المسيرات في البداية أعلام دول الحلفاء الفائزة على دول المحور، لكن دقائق قليلة حتى رفع العلم الجزائري عاليًا، وهتفت الحناجر بأعلى صوتها منادية بالحرية والاستقلال.

رد فعل الإدارة الاستعمارية كان شرسًا وعنيفًا، فقد رأت في سلوك الجزائريين تمرّدا على سلطتها وقراراتها، أطلقت الرصاص على المتظاهرين العزل، وتفنّنت في تقتيل الجزائريين دون أن تستثني الأطفال والنساء والشيوخ.

تجارب نووية

تفنّنت فرنسا في جرائمها بحق الجزائريين، حتى أنها استعملتهم كفئران تجارب، ففي صباح يوم الـ13 من فبراير/ شباط 1960، استيقظ سكان منطقة رقان الواقعة بالجنوب الغربي الجزائري نحو الساعة السابعة وأربع دقائق على وقع انفجار ضخم ومريع.

لقد قرّرت فرنسا أن تجعل من سكان الجزائر حقلاً للتجارب النووية، حيث فجّرت القنبلة الأولى هناك تحت اسم “اليربوع الأزرق”، تيمنًا بأول لون من العلم الفرنسي، بطاقة تفجيرية ضخمة، لم يسبق لسكان الجزائر السماع بمثلها.

أدى استخدام فرنسا لمواد كيمائية على غرار البلوتونيوم في تنفيذ تجاربها النووية إلى ظهور عدة أمراض سرطانية وجلدية وتنفسية لسكان المناطق التي شهدت هذه التفجيرات التي وصفها عديد الجزائريين بالوحشية وصنفت في خانة الجرائم ضد الإنسانية.

رغم مرور أكثر من خمسة عقود على هذه التجارب النووية، مازالت الصحراء الجزائرية تحتضن بين رمالها عقارب نووية تتربّص بسكان الجنوب الذين يعانون من مرض السرطان، الذي أرجعه الأطباء إلى التسريبات النووية التي تنبعث من منطقة “الأصفار”، أماكن نقاط التفجير المركزية.

لم تكتفي فرنسا بهذه التجربة النووية فقط، فخلال الأعوام 1960 و1966، أجرت باريس 17 تجربة نووية، تسببت في مقتل 42 ألف جزائري وإصابة آلاف الآخرين بإشعاعات نووية، علاوة على الأضرار الكبيرة التي مست البيئة والسكان والحياة ككل، وما زالت آثارها إلى الآن شاهدة على هولها وفظاعتها.

مجزرة نهر السين بباريس

المجازر في حقّ الجزائريين لم تكن داخل التراب الجزائري فقط، فقد وصلت باريس أيضًا. قبل خمسة أشهر من انتهاء الحرب الجزائرية، في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 1961، تحول شارع “سان ميشال” بالعاصمة الفرنسية باريس إلى مسرح لواحدة من أكبر المذابح بشاعة في تاريخ أوروبا الغربية المعاصر.

مساء ذلك اليوم، بعد انتهاء دوام العمل، خرجت ثلاث مسيرات احتجاجية بطريقة سلمية، انطلقت المسيرة الأولى من جسر “نويي” باتجاه ميدان “الإيتوال”، وتحركت الثانية من ميدان “أوبرا” إلى ميدان “الجمهورية”، والثالثة من ميدان “سان ميشال” إلى شارع “سان جيرمان دو بري”.

لم تكتفي الشرطة الفرنسية بقتل المتظاهرين العزّل، بل قامت برمي جثث عدد كبير منهم في نهر السين للتغطية على بشاعة جرائمها 

جاءت هذه المسيرات بدعوة من فيدرالية جبهة التحرير الوطني بباريس، ضد قرار حظر التجول التمييزي الذي أصدره حاكم الشرطة موريس بابون ضدّهم منذ الخامس من ذلك الشهر (كان يمنعهم من التجوال من الثامنة والنصف مساء إلى الخامسة والنصف صباحًا)، وتضامنا منهم مع إخوانهم الذين يقاتلون في الجزائر.

ردّ الشرطة الفرنسية كان عنيفًا، رغم أن المسيرات خرجت خروجًا سلميًّا، حيث عمدت إلى قمع هذه المظاهرات السلمية بشكل وحشي في شارع سان ميشال، وحي سان سيفرين، باستخدام العصي والقنابل المسيلة للدموع والرصاص، ما أدى إلى مقتل وفقدان المئات وإصابة الآلاف، واعتقال نحو ثلاثين ألفا، وترحيل نحو عشرين ألفا منهم للجزائر، وغيرهم ممن وضعوا في المعتقلات.

لم تكتفي الشرطة الفرنسية بقتل المتظاهرين العزّل، بل قامت برمي جثث عدد كبير منهم في نهر السين للتغطية على بشاعة جرائمها، وأكّدت عدة مصادر تاريخية أن عشرات الجثث ظلت تطفو فوق نهر السين أيامًا عديدة بعد تلك الليلة السوداء، وعشرات أخرى اكتشفت في غابتي بولون وفانسون، إضافة إلى عدد غير معروف من الجزائريين تم التخلص منهم رمياً من على متن الطائرات ليبتلعهم البحر.

سرقة الجماجم

استمرت فرنسا بقتل الجزائريين والتنكيل بجثثهم، وتعمدت سرقة جماجم العديد منهم والاحتفاظ بها في علب من الورق المقوّى داخل خزانات حديدية في قاعة منعزلة بمتحف “الإنسان” بعيدًا عن مرأى العموم، ولم يكشف سر وجود تلك الجماجم حتى شهر مارس 2011 بعد تحركات للباحث الجزائري “علي فريد بالقاضي” المقيم في فرنسا.

من بين القادة المحفوظة جماجمهم في فرنسا والذين تم التعرف عليهم، الشيخ بوزيان زعيم ثورة الزعاطشة “جنوب شرق” البلاد في عام 1949، وشريف بوبغلة الذي تزعم القتال ضد المستعمر في منطقة القبائل “وسط الجزائر” في مطلع عام 1850، وموسى الدرقاوي، وسي مختار بن قديودر الطيطراوي، والرأس المحنطة لعيسى الحمادي الذي كان ضابطاً لدى شريف بوبغلة، وكذلك رأس الضابط محمد بن علال بن مبارك، الذراع اليمنى للأمير عبد القادر.

وسبق أن بثّت قناة “فرنسا 24” الفرنسية، تقريراً كشفت فيه عن 18 ألف جمجمة محفوظة بمتحف “الإنسان” في باريس؛ منها 500 فقط جرى التعرف على هويات أصحابها، من ضمنهم 36 قائداً من المقاومة الجزائرية قُتلوا ثم قُطعت رؤوسهم من قبل قوات الاستعمار الفرنسي أواسط القرن الـ19، ثم نقلت إلى العاصمة الفرنسية لدوافع سياسية وأنتروبولوجية.

طمس الهوية الجزائرية

حاولت فرنسا طيلة قرن وثلاثين سنة من احتلالها للجزائر، طمْس الهوية الجزائرية من خلال ممارسة عملية مسخ ثقافي ولغوي ارتكنت إلى محوِ الشخصية الجزائرية التي تكونت بفعل التراكمات التاريخية.

فقد سعت فرنسا في تلك الفترة، إلى القضاء على الواقع الفكري والثقافي الجزائري عبر محو مقومات الشخصية الجزائرية، وإذابتها في المجتمع الأوروبي المستوطن، بهدف تغيير النمط المجتمعي والهوية الجزائرية، وهدم البنى الحضارية هناك وإعادة صياغته بما يتماشى ويكفل الهدف الاستعماري الاستيطاني.

ضمن هذه المساعي، سنت فرنسا قانونًا يلغي اللغة العربية ويعتبرها لغة أجنبية في الجزائر، من أجل التضييق على جمعية العلماء الجزائريين المسلمين. عرف هذا القانون  الذي صدر في ثلاثينات القرن الماضي بمرسوم شوطون (أصدره رئيس وزراء فرنسا كاميي شوطون).

كما منع المرسوم مدارس جمعية العلماء المسلمين من مزاولة نشاطها إلا برخصة، في حين امتنعت سلطات الاستعمار عن إصدار الرخص رغم الطلبات المكثفة والملحة، للجمعية التي قررت محاربة الجهل ونشر الوعي والعلم بين أفراد الشعب الجزائري، ذكورا وإناثا.

فضلًا عن ذلك، عملت فرنسا على شن حرب شرسة ضد المساجد والمدارس القرآنية، فقد أسست أول مدرسة تبشيرية للمسيحية في عام 1836، ووضعت قوانين للتمييز العنصري، وعملت على تجنيس الآلاف من الجزائريين.

كما أقدمت سلطات الاستعمار على تأسيس مدارس فرنسية في عدة مناطق في البلاد، ومنع الحاكم العام الفرنسي للجزائر فتح مدارس لتعليم اللغة العربية، وطالب المستوطنون الذين افتكوا الأراضي بإلغاء التعليم الابتدائي للجزائريين، بهدف توفير اليد العاملة الرخيصة لخدمة مزارعهم.

نكتفي بهذه الجرائم المرتكبة في حق الجزائريين، فإن تطرّقنا إلى جميعها فلن تكفينا الكتب والمجلدات للحديث عنها نظرا لكثرتها، فالفرنسيون تفننوا في تعذيب الجزائريين للاستفراد بثروات بلادهم وطمس هويتهم، كأنهم سيخلدون فوق هذه الأراضي.

المنابع:صحف ومواقع

النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *