ماذا تعرف عن معاهدة سلام مونستر

حيثما توجد دول، هناك معاهدات. ومنذ العصور القديمة، اكتست هذه المعاهدات أهمية بالغة بالنسبة لفن الحكم والدبلوماسية. ونظرًا لأنها عبارة عن اتفاقيات بين دول مختلفة، وغالبًا ما يقع إبرامها إثر نهاية النزاعات، تعيد المعاهدات تشكيل الحدود والاقتصادات والتحالفات والعلاقات الدولية.معاهدة سلام مونستر هي احدي هذهی الاتفاقات اذی عقدت فی مثل هذه الیوم. سلام مونستر معاهدة بين جمهورية هولندا وإسبانيا وقعت في عام 1648. وكانت المعاهدة التاريخية للجمهورية الهولندية واحدة من الأحداث الرئيسية في التاريخ الهولندي. ومع ذلك أصبحت هولندا المتحدة أخيراً مستقلة عن الإمبراطورية الإسبانية. وكانت المعاهدة جزءاً من صلح وستفاليا التي انتهت على حد سواء حرب الثلاثين عاما وحرب الثمانين عاما.

صلحُ وستفاليا أو معاهدةُ وستفاليا (بالإنجليزية: Peace of Westphalia)‏ هو اسمٌ عامٌّ يُطلقُ على معاهدتيْ السلامِ اللتيْنِ دارتِ المفاوضاتُ بشأنِهِما في كلٍّ منْ مدينتيْ أوسنابروكَ (بالألمانية: Osnabrück) (والتي أصبحتْ تلقبُ بمدينةٍ السلامِ منْ بعدُ) ومونسترَ (بالألمانية: Münster) في وستفاليا، وتمَّ التوقيعُ عليهِما في 15 مايو/أيارَ لعامِ 1648م و24 أكتوبر/تشرينَ الأولِ 1648م وكُتبتا باللغةِ الفرنسيةِ. أنهتْ هاتانِ المعاهدتانِ حربَ الثلاثينَ عاماً في الإمبراطوريةِ الرومانيةِ المقدسةِ (وقعُتْ معظمُ مسارحِ هذهِ الحربِ في ألمانيا الحاليةِ)، وحربُ الثمانينَ عاماً بينَ إسبانْيا ومملكةِ الأراضي المنخفضةِ المتحدةِ (دولُ هولَّنْدا وبلجيكا ولوكسمبورج اليومَ أو “البينيلوكس”). وقعَها مندوبونَ عنْ كلٍّ منْ الإمبراطورِ الرومانيِّ المقدسِ فرديناندِ الثالثِ (منْ آلِ هابسبورج)، وممالكِ فرنْسا، وإسبانْيا والسويدِ، وجمهورية هولندا، والإماراتِ البروتستانتيّةِ التابعةِ للإمبراطوريةِ الرومانيةِ المقدسةِ.

يعتبرُ صلحُ وستفاليا” أولَ اتفاقٍ دبلوماسيٍّ في العصرِ الحديثِ وقدْ أرسى نظاماً جديداً في أوروبا الوُسطى مبنياً على مبدأِ سيادةِ الدولِ. أصبحتْ مقرراتُ هذا الصلح جزءاً منَ القوانينِ الدستوريّةِ للإمبراطوريةِ الرومانيةِ المقدسةِ. وغالباً ما تعدُّ اتفاقيةُ البرينيه الموقّعةُ سنةَ 1659م بينَ فرنْسا وإسبانْيا جزءاً منَ الاتفاقِ العامِّ المعروفِ بـ”صلحِ وستفاليا”.

الخلفيةُ التاريخيةُ

تنافصَ عديدُ سكانِ ألمانْيا خلالَ حربِ الثلاثينَ عاماً بحواليْ الثلثِ في المتوسطِ؛ وفي مقاطعةِ “براندنبورغَ” وحدها بلغتِ الخسائرُ البشريةُ النصفَ، وفي بعضِ المناطقِ الأخرى هلكَ نحوُ ثلثي السكانِ، وانخفض عديدُ الذكورِ في ألمانْيا بمقدارِ النصفِ تقريباً، ولئنْ كانتْ ألمانْيا الأكثرَ تضرراً في هذي الحربِ فإنها لم خفيفة الوطأةِ على باقي الشعوبِِ ففي تشيكيا مثلاً انخفض تعدادُ سكانِ بمقدارِ الثلثِ، ولقدْ دمَّرَ الجيشُ السويديُّ وحدَهُ ألفا (2000) قلعةٍ وثمانيةَ عشرَ (18000) ألفَ قريةٍ وألفاً وخمسمئةِ (1500) مدينةٍ في ألمانْيا،أيْ ثلثَ مجموعِ الحواضرِ المدنيّةِ الألمانيّةِ قاطبةً. هكذا غدتْ حالً الفعّالياتِ الاقتصاديّةِ وعامةِ الناسِ خراباً يباباً في معظمِ ألمانْيا، وهيَ وإنْ كانتْ بدرجةٍ أقلَّ فداحةً -لكنها بعيدةً جداً عنْ أنْ تكونَ سهلةَ الاحتمالِ- في بقيةِ البلدانِ التي شاركتْ في الحربِ كالأراضي الواطئةِ، وفرنْسا، وإسبانْيا، والبرتغالِ، والسويدِ، والدنماركِ، والإمبراطوريةِ -بما فيهمْ رعاياها من الشعوبِ المختلفةِ كالمجرِ والسلافِ والتشيكِ-، والبابويةِ، والدويلاتِ الإيطاليةِ وغيرها، وغدتْ خزائنُ الأباطرةِ والملوكِ والأمراءِ والسادةِ النبلاءِ خاويةً ليس بسببِ الإنفاقِ على الحربِ وحسبُ، ولكنْ أيضاً منَ انكماشِ مواردِهمْ انكماشاً ذريعاً بفعلِ النقصِ الهائلِ في المواردِ البشريّةِ، وخرابِ البنى التحتيةِ وانعدامِ الأمنِ واضمحلالِ الأعمالِ. يكتبُ “ويلْ ديورانتْ” في “قصةِ الحضارةِ” واصفاً ما وقعَ منْ شحٍّ في أعدادِ الذكور:

«هبطتْ حربُ الثلاثينَ بسكانِ ألمانْيا منْ عشرينَ مليوناً إلى ثلاثةَ عشرَ ونصفاً منَ الملايينِ، وبعدَ عامٍ أفاقتْ التربةُ التي روتْها دماءُ البشرِ، ولكنّها ظلتْ تنتظرُ مجيءَ الرجال. وكانَ هناكَ وفرةٌ في النساءِ وندرةٌ في الرجال. وعالجَ الأمراءُ الظافرونَ هذهِ الأزمةَ البيولوجيةَ بالعودةِ إلى تعددِ الزوجاتِ كما وردَ في العهدِ القديمِ. ففي مؤتمرِ “فرنكونْيا” المنعقدُ في فبرايرَ/شباطَ 1650م بمدينةِ نورنبيرغ اتخذوا القرارَ الآتي: “لايقبلُ في الأديرةِ الرجالُ دونَ الستينِ… وعلى القساوسةِ ومساعديهمْ -إذا لمْ يكونوا قدْ رُسِموا- وكهنةِ المؤسساتِ الدينيةِ أن يتزوجوا… ويسمحُ لكلِّ ذكرٍ بأنْ يتزوجَ زوجتينِ، ويُذكّرُ كلُّ رجلٍ تذكيراً جديّاً، وينبَّهُ مراراً من منبرِ الكنيسةِ إلى التصرفِ على هذا النحوِ في هذهِ المسألة»

أجواءُ المفاوضاتِ

كانَ الحكَّامُ قدْ ملّوا الحربَ كما عامَةُ الناسِ، وقدْ شرعُوا ومندوبيهمْ الدبلوماسيينَ منذُ عام 1635م يجسّونَ النبضَ ويتحسسونَ الرأيَ منْ أجلِ إقرارِ السلامِ. في تلكمُ السنةِ اقترحَ البابا أوربان الثامن (حبريتُهُ 1623م – 1644م) عقدَ مؤتمرٍ لبحثِ الاتفاقِ على معاهدةِ صلحِ. اجتمعَ المندوبونَ للتفاوضِ في كولون (بالألمانية: Köln) لكنْ منْ غيرِ جدوى إذْ لمْ يتوصّلوا إلى نتيجةٍ، وثانيةً في هامبورغَ عامَ 1641م حيثُ ثمةَ صاغَ ممثلو فرنْسا والسويدِ والإمبراطوريةٍ اتفاقيةً مبدئيّةً لعقدِ مؤتمرٍ مزدوجٍ في وستفاليا العامَ 1642م، ففي مونسترَ تجتمعُ وفودُ فرنْسا والإمبراطوريّةِ للتفاوضِ حولَ قضاياهما التي يتشاركانِ الاهتمامَ بها في ظلِّ وساطةِ البابا والبندقيةِ، وفي أُوسنابروكَ، على مبعدةِ ثلاثينَ ميلاً (أقلَّ منْ ستينَ كيلومتراَ) تجتمعُ وفودُ فرنْسا والإمبراطوريةِ معَ السويدِ لإجراءِ المفاوضاتِ بوساطةٍ منْ كريستيانَ الرابعِ ملكِ الدنمركَ. كانَ هذا الفصلُ “المَطْهر” ضرورياً بسببِ عدمِ رغبةِ السويديينَ البروتستانتِ بالاجتماعِ تحتَ رياسةِ ممثلِ البابا، ورفضِ ممثلِ البابا بالمثلِ أنْ يجلسَ على صعيدٍ واحدٍ معَ “الزنادقةِ”.

وجاءَ التأخيرُ نتيجةَ إجراءاتِ الأمنِ وقواعدِ المراسمِ (البروتوكولِ)، واستحثَّ انتصارُ “تورستنسون” في بريتنفيلد الإمبراطورَ لإعطاءِ وعدٍ بأنَّ ممثليهِ سيصلونَ في الحادي عشرَ منْ يوليو/تمّوزَ 1643م، وتلكّأ الوفدُ الفرنسيُّ فيما كانتْ فرنْسا تجري تحالفاً معَ الولاياتِ المتحدةِ الهولنديةِ (الأراضي الواطئةِ) ضدَّ سبانْيا. أخيراً افتتح مؤتمرُ وستفاليا شكلياً في الرابعِ منْ ديسمبرَ لعامِ 1644م، وضم خمسةً وثلاثينَ ومئةَ (135) عضوٍ بمنْ فيهمْ رجالُ اللاهوتِ والفلاسفةُ.

وانقضتْ مذْ ذاكَ اليومِ ستةُ شهورٍ فقطْ في تحديدِ نظامِ الأسبقيّةِ في دخولِ المندوبينَ إلى القاعاتِ وجلوسهمْ. كانَ السفيرُ الفرنسيُّ يرفضُ المشاركةَ في المفاوضاتِ إلا إذا خوطبَ بلقبِ “صاحبِ الفخامةِ”، وعندما وصلَ السفيرُ الإسبانيُّ تجنبَ السفيرَ الفرنسيَّ ونأى بنفسهِ عنهُ، لأنَّ أيَاً منهما لايعترفُ للآخرِ بالأسبقيّةِ وكانَ التواصلُ بينهُما يتمُّ عن طريقِ وسيطٍ، ورفضتْ فرنْسا الاعترافَ لفيليبَ الرابعَ بلقبِ ملكِ البرتغالِ وأميرِ قطالونْيا، كما رفضتْ إسبانْيا الاعترافَ بلقبِ ملكِ نافارَ للويسَ الرابعَ عشرَ، وتنازعَ المندوبونَ السويديّونَ فيما بينِهم وأضاعوا الوقتَ حتى صدرتْ إليهمُ الأوامرُ منَ الملكةِ الشابّةَ كريستينا بأنْ يصلحوا فيما بينِهمْ قبلَ أنْ يجلسوا معَ العدوِّ، وطيلةَ هذهِ المدةِ المديدةِ كانتْ الحربُ مستعرةً والرجالُ تسيرُ إلى الحربِ لتلقى حتفها.

وبقدرِ ما كانتْ جيوشُ هذا الفريقِ أو ذاكَ منتصرةً أو مهزومةً بقدرِ ما تلكّأتِ الوفودُ في المفاوضاتِ أو عجلّتْ بها، وشُغلَ المحامونَ أيَّما شغلٍ بإيجادِ الصعوباتِ والعراقيلِ أوِ ابتداعِ الحلولِ الوسطِ ووسائلِ التوفيقِ وفقَ الصيغِ القانونيّةِ التي تفتّقتْ أذهانهمْ عنها، يحلونَ العقدَ أو يمعنونَ في تعقيدها حسبما يرْتئِي سادتهمْ. وكانَ القادةُ الفرنسيونَ يتقدمونَ بخطىً واسعةً، ومنْ ثَمَّ فإنْ فرنْسا أصرّتْ على تمثيلِ أمراءِ ألمانيا جميعاً في المؤتمرِ، على الرّغمِ من أنَّ معظمهمْ كانَ عقدَ الصلحَ معَ الإمبراطورِ منذُ أمدٍ طويلٍ. وطلبَ إلى الزمنِ أنْ يتوقفَ حتى يرسلَ كافّةُ الناخبينَ والأمراءِ والمدنِ الإمبراطوريةِ مندوبيهمْ، ورغبةً في إضعافِ مركزِ فرنْسا، عمدتْ إسبانْيا في الثامنِ منْ ينايرَ 1648م إلى توقيعِ صلحٍ منفردٍ معَ الولاياتِ المتحدةِ الهولنديّةِ -التي كانتْ لتوّها قدْ وعدتْ فرنْسا بعدمِ الانفرادِ بعقدِ صلحٍ، ولكنَّ الهولنديينَ لمْ يكونوا ليتركوا البارقةَ التي لاحت لهم لتضيعَ منْ أيديهمْ فيكسبوا بجرةِ قلمٍ ما قاتلوا من أجلهِ ثمانينَ عاماً. وكانَ جوابُ فرنْسا قاسياً فقدْ رفضت عقدَ صلحٍ مع إسبانْيا، وكانَتْ ثمرةُ ذلكَ أنْ تظلَّ نارُ الحربِ متقدةً بينهُما أحدَ عشرَ سنةً أخرى إلى موعدِ اتفاقيةِ البرينيه عامَ 1659م.

وكان منَ الممكنِ جداً أنْ ينفضَّ المؤتمرُ دونما نتيجةٍ، لولا اجتياحُ “تورن” لبافاريا (بالألمانية: Freistaat Bayern))، وهجومُ السويدِ على براغَ في يولْيو/تمّوزَ منْ عامِ 1648م)، وهزيمةِ الإسبانِ في “لنز” في الثاني منْ أغسطسَ/أبَ منَ العامِ نفسهِ، فتضافرتْ هذهِ الأحداثُ مجتمعةً على إقناعِ الإمبراطورِ بالتوقيعِ، وبالمقابلِ أكرهتْ ثورةُ “الفروند” في فرنْسا التي اندلعتْ في يولْيو/تمّوزَ الكاردينالَ مازارانَ (بالفرنسية: Cardinal Mazarin)‏ رئيسُ وزراءِ فرنْسا على تقديمِ بعضِ التنازلاتِ لكي يٌطلقَ يدهُ في شنَّ الحربِ في الداخلِ. على هذا النحوِ وقعتْ نهايةَ المطافِ معاهدتا صلحِ وستفاليا في أوسنابروكَ ومونسترَ في الخامسَ عشرَ منْ مايو/أيارَ والرابعِ والعشرينَ منْ أكتوبرَ/تشرينَ الأولِ عامَ 1648م.

نتائج الصلح

1- حصلت سويسرا وهولندا وسافوي ومانتوا وتوسكانيا ولوكا ومودينا وبارما على اعتراف رسمي باستقلالهما (وقد عرفت هذه الأراضي استقلالا فعليا منذ زمن قبل الصلح).

2- معظم بنود الصلح وضعت بتأثير من الكاردينال مازارين (Cardinal Mazarin) الحاكم الفعلي لفرنسا في ذلك الوقت نظرا لصغر سن لويس الرابع عشر. ولذلك كان أكبر الغنم لفرنسا (التي مولت ثروتها السويديين المنتصرين وفرض قوادها الصلح فرضاً) فسلمت إليها أسقفيات متز وفردان وتول قرب اللورين ومدن الدكابول (عشرة مدن) في الألزاس (من دون أسقفية ستراسبورغ).

3- نالت السويد على تعويض وعلى السيطرة على مقاطعة بومرانيا الغربية (وتعرف ببومرانيا السويدية)و مدينة ويزمار وأسقفيتي بريمن وفيردن. وبذلك سيطرت على منطقة مصبات أنهر الأودر والب وويزر. وحصلت السويد على ثلاثة أصوات في مجلس الأمراء في الرايشتاغ الألماني.

4- حافظت بافاريا على وضعها كبالاتينة انتخابية مع صوتها الانتخابي في المجلس الانتخابي الإمبراطوري (الذي ينتخب الإمبراطور الروماني المقدس). والذي منحتها بعد الحظر على البالاتيني المنتخب فريدريك الخامس عام 1623. الأمير-البالاتيني ابن فيردريك أعطى صوتا انتخابيا ثامنا.

5- قسمت البالاتينات بين الأمير-البالاتيني المعاد تنصيبه شارل لويس أبن ووريث فريدريك الخامس والدوق-المنتخب ماكسيميليان بافاريا وبذلك تكون قسمت بين البروتيستانت والكاثوليك. حصل شارل لويس على البالاتينات السفلى على الراين وحافظ ماكسيميليان على البالاتينات العليا إلى الشمال من بافاريا.

6- حصلت براندنبورغ – بروسيا (لاحقا بروسيا) على بوميرانيا الشرقية وأسقفيات مغدبورغ وهالبرستاد وكامين ومندن.

7- بالنسبة لحكم الدوقيات المتحدة يوليتش-كليفس-برغ بعد وفاة الدوق عام 1609, فقد أعطيت يوليتش وبرغ ورافنشتاين إلى كونت-بالاتين نيوبورغ وإعطيت كليفس ومارك ورافنسبرغ إلى براندنبورغ.

8- تم الاتفاق على أن يتناوب على منصب أمير أسقفية أوسنبروك البروتستانت والكاثوليك وأن يختار الأساقفة البروتيستانت من ال برونسفيك-لونيبورغ.

9- تم التأكيد على استقلالية مدينة بريمن.

10- إزالت الحواجز أمام الأعمال التجارية والاقتصادية التي وضعت أيام الحروب واتفق على حرية الملاحة بدرجة ما في نهر الراين.

نتائج غير مباشرة

الإمبراطورية المقدسة

وكان على الإمبراطور أن يقنع بالاعتراف بحقوقه الملكية في بوهيميا والمجر. ومن ثم اتخذت إمبراطورية النمسا والمجر شكلها على أنها حقيقة واقعة في هيكل الإمبراطورية المقدسة.

لقد انهارت اقتصاديات الإمبراطورية المعمرة، من جهة بسبب نقص السكان وتدهور الصناعة والتجارة أثناء الحرب، ومن جهة أخرى بسبب مرور المنافذ النهرية الكبيرة إلى دول أجنبية من منافذ الأودر والألب إلى السويد، والراين إلى المقاطعات المتحدة.

فرنسا

سمحت نتائج الصلح لاحقا للويس الرابع عشر بالاستيلاء على فرانشن كونتية واللورين وتحقيق هدف ريشيليو -الذي كان الآن قد فارق الحياة- في كسر شوكة آل هابسبورغ ومد حدود فرنسا، وتمكين وحدة فرنسا ودفاعها، والإبقاء على فوضى الإمارات في الإمبراطورية، وعلى الصراع بين الأمراء والإمبراطور، وعلى النزاع بين الشمال البروتستانتي والجنوب الكاثوليكي، مما يحمي فرنسا من خطر ألمانيا موحدة. واحتلت أسرة البوربون مكان آل هابسبورغ بوصفها قوة عظمى مسيطرة على أوروبا، وسرعان ما علا شأن لويس الرابع عشر لقب بالملك الشمس.

بروسيا

للملاحظة التاريخية أن فرنسا دعمت أسرة هوهنزلرن الناشئة في الحصول على أكبر مكتسبات من الصلح على أساس إقامة قوة أخرى ضد آل هابسبورغ ولكن التاريخ خذل فرنسا حيث أن براندنبرج أصبحت لاحقا بروسيا والتي سوف تحدت فرنسا في عهد فردريك الأكبر وهزمتها على يد بسمارك.

السويد

إضافة إلى مكتسباتها من الصلح استولت السويد لاحقا على ليفونيا وأستونيا وأنجريا وكاريليا وفنلندا وأصبحت في عداد الدول العظمى باعتبارها سيدة البلطيق حتى مجيء بطرس الأكبر.

سيطرة الكنيسة

الضحية الخفية للحرب هي الكنيسة الكاثوليكية التي إضطرت إلى التراجع بموجب هذا الصلح. لقد كان على الكنيسة الكاثوليكية أن تتخلى عن قرار إعادة أملاك الكنيسة وأن تعود إلى الوضع الذي كانت عليه ممتلكاتها في 1624. وترى الأمراء مرة أخرى يقررون عقيدة رعاياهم. ومهما يكن من أمر، فإن هذا مكن الكنيسة من إخراج البروتستانتية من بوهيميا موطن إصلاح هس. لقد قضى على الإصلاح المضاد، ومثال ذلك أنه لم يكن محل نزع أن تقيم بولندا المذهب الكاثوليكي في السويد البروتستانتية، بضعف ما كان عليه من قوة من قبل.

وقد رفض ممثل البابا في مونستر أن يوقع المعاهدة. وفي 20 نوفمبر 1948 أعلن البابا إنوسنت العاشر “أنها غير ذات قوة شرعية ملزمة، ملعونة بغيضة، ليس لها أي أثر أو نتيجة على الماضي أو الحاضر أو المستقبل”. وتجاهلت أوروبا هذا الاحتجاج. ومنذ تلك اللحظة لم تعد البابوية قوة سياسية عظمى، وأنحط شأن الدين في أوروبا.

أما بالنسبة للبروتستانت فكانت المعاهدة في جملتها -وهي ثمرة جهود كاردينال توفي وآخر حي- نصراً للبروتستانتية التي أنقذت ألمانيا على الرغم من احتجاج بعض البروتستانت وخاصة أولئك الذين فقدوا مساكنهم في بوهيميا والنمسا. لقد ضعفت في الجنوب وفي الراين، ولكنها في الشمال قويت عن ذي قبل، واعترفت المعاهدة رسمياً بكنيسة الإصلاح أو الكنيسة الكلفنية. وبقيت خطوط التقسيم الديني التي أقرت في 1648، دون تغيير جوهري حتى القرن العشرين، حين بدأ التغاير في معدلات المواليد أو نسب تزايد السكان، يوسع من رقعة الكثلكة بطريقة تدريجية سليمة.

ولكن على الرغم من إن الإصلاح الديني قد أنقذ، فإنه عانى، مع الكاثوليكية، من التشكك الذي شجعته بذاءة الجدل الديني. ووحشية الحرب، وقساوة العقيدة. وأعدم أثناء المعمعة آلاف من الساحرات. وبدأ الناس يرتابون في المذاهب التي تبشر بالمسيح وتقترف قتل الأخوة بالجملة. وكشفوا عن الدوافع السياسية والاقتصادية التي تسترت تحت الصيغ الدينية، وارتابوا في أن حكامهم يتمسكون بعقيدة حقة، بل أنها شهوة السلطة هي التي تتحكم فيهم-ولو أن فرديناند الثاني بسلطانه المرة بعد المرة، من أجل عقيدته. وحتى في أظلم العصور الحديثة هذه، ولى كثير من الناس وجوههم شطر العلم والفلسفة للظفر بإجابات أقل اصطباغاً بلون الدم من تلك التي سعت العقائد أن تفرضها في عنف بالغ. وكان جاليليو يفرغ في قالب مسرحي ثورة كوبرنيكس. وكان ديكارت يثير الجدل حول كل التقاليد وكل السلطة. وكان برونويشكو إلى أوروبا آلامه المبرحة وهو يساق إلى الموت حرقاً. لقد أنهى صلح وستفاليا سيطرة اللاهوت على العقل في أوروبا، وترك الطريق إلى محاولات العقل واجتهاداته، غير معبد، ولكن يمكن المرور فيه.

المنابع:صحف ومواقع

النهایۀ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *