فی ذکری ثورة التحرير الجزائرية… مليون ونصف من الشهداء لتحرير الوطن

تقریر خاص-تاريخ 18 فبراير هو يوم وطني للشهيد وتم الاحتفال به لأول مرة سنة 1989 وتهدف هذه المناسبة إلى إرساء الروابط بين الأجيال وتذكير الشباب بتضحيات الأسلاف من أجل استخلاص العبر والاقتداء بخطاهم، اتخذ يوم 18 فيفري من كل سنة يوما للاحتفال بذكرى الشهيد عرفانا بما قدمه الشهداء من تضحيات ويمثل هذا اليوم وقفة لمعرفة مرحلة الاستعمار التي عاشها الشعب الجزائري.

تحتفل الجزائر بهذا اليوم منذ 1991 بمبادرة من تنسيقية أبناء الشهداء تكريما لمـا قدمه الشهداء مغزى هذه المناسبة هو التذكير بإستشهاد مليون ونصف المليون من الشهـداء لتحرير الجزائر. حيث استشهد الكثير من الشهداء عبر مسيرة التحرر التي قادها رجال المقاومات الشعبية منذ الاحتلال في 1830 مرورا بكل الانتفاضات والثورات التي قادها الأمير عبد القادر والمقراني والشيخ بوعمامة وغيرهم من المقاومين. وكانت الثورة التحريرية في أول نوفمبر 1954 حيث التف الشعب مع جيش التحرير وجبهة التحرير الوطني. سجلت الجزائر استقلالها في 5 جويلية 1962، ويحتفل بهذا اليوم بتنظيم العديد من التظاهرات.

فبالإضافة إلى مراسيم الترحم على أرواح شهداء ثورة التحرير تتميز التظاهرات بتنظيم معارض للصور وتوزيع هدايا تشجيعية على المتفوقين في مختلف المسابقات التي نظمت بالمناسبة و إطلاق أسماء بعض الشهداء على مؤسسات تربوية وعرض أفلام حول الثورة المسلحة و تكريم عائلات بعض الشهدا

كانت طبيعة الشعب الجزائري حسب ما اتفق عليه جميع المؤرخون تأبى الخضوع والاستكانة، يحارب بنزعة دينية وطنية شعاره تضحيّتنا للوطن خير من الحياة.

وساعدت التنظيمات السياسية التي كانت على نمو إلى تطور إرادة الشعب إلى العمل المسلح العسكري، مثل حركة نجم شمال إفريقيا الذي ظهرت في سنة 1926 في باريس بقيادة مصالي الحاج، انتقل هذا التنظيم إلى الجزائر سنة 1933-1935 وتحول إلى حزب الشعب الجزائري سنة 1937 ثم إلى حركة انتصار الحريات الديموقراطية سنة 1946 ثم سنة 1947 أسست داخل الحركة المنظمة الخاصة وهي منظمة سرية عسكرية مكونة من بعض مناضلي الحزب الأشدّاء هدفها القيام بعمليات عسكرية وهي المهد الذي تولدت منه المجموعة التي فجّرت الثورة في سنة 1954.

ظهر سنة 1953 انشقاق داخل حركة انتصار الحريات الديموقراطية بين رئيس الحركة مصالي الحاج وبين أعضاء اللجة المركزية للحركة هذا الانشقاق أحدث أزمة كبيرة وكان سببا في شلل الحركة والمناضلون في المنظمة الخاصة وفي هذه الأثناء كانوا متابعين من طرف السلطات الإستعمارية ومشردين يتسترون وينتقلون من مكان لآخر قام مناضل من بين الأعضاء وهو بالإتصال محمد بوضياف مع بعض قيادي اللجنة المركزية منهم لحول حسين ومحمد دخلي وسيد عبد الحميد بتكوين لجنة أعطي لها اسم اللجنة الثورية للوحدة والعمل هدفها توحيد صفوف الحركة المنقسمة والدفع بها إلى القيام بالثورة ولكن هذه المساعي باءت بالفشل.

بعدها سعى بوضياف إلى جمع ما أمكن من مناضلي المنظمة الخاصة المشردين وتمكن من الإتصال بواحد وعشرين منهم وجمعهم في المدينة في بيت المناضل إلياس دريش في شهر يوليو 1954 وقرروا القيام بالثورة فكانت البداية.

التحضير للثورة

في 23 جوان 1954 تم هذا الاجتماع بمنزل المناضل إلياس دريش بحيّ المدينة وحضر كل من المناضلين: باجي مختار، عثمان بلوزداد، رمضان بن عبد المالك، مصطفى بن عودة، مصطفى بن بو العيد، العربي بن مهيدي، لخضر بن طوبال، رابح بيطاط، زبير بوعجاج، سليمان بو علي، بلحاج بوشعيب، محمد بوضياف، عبد الحفيظ بوصوف، ديدوش مراد، عبد السلام حبشي، عبد القادر العمودي، محمد مشاطي، سليمان ملاح، محمد مرزوقي، بو جمعة سويداني، زيغود يوسف.

تم هذا الاختيار بالمشاورة بين بوضياف وديدوش مراد وبن مهيدي المتواجدين في مدينة الجزائر، وأخذوا بالعتبار التمثيل المنصف لجميع مناطق الوطن ونظرا لضيق الوقت وصعوبة التنقل لم يكن الاتصال بجميع المناضلين الذين تمّ اختيارهم.

وعُين بالإجماع مصطفى بن بو العيد رئيسا للاجتماع ثم قدّم بوضياف عرضا شاملا لأساب الفشل الذي آلت إليه اللجنة الثورية للوحدة والعمل وختم قوله بأنه لم يبق هناك حلّ إلاّ القيام بالثورة، ثّم استعراض شامل من طرف جميع الحاضرين للإمكانيات المادية والبشرية وخصوصا السلاح المتوفر فتبين أنّ السلاح قليل والكثير منه عبارة عن بنادق صيد ومسدّسات وبعض المفرقعات وعدد قليل من بنادق حرب وأنّ عدد المناضلين لا يتجاوز ألفا وخمسمائة عبر جميع التراب الوطني.

واتفق الجمع بالأغلبية على القيام بالثورة عاجلا دون تمهل وسطروا الأهذاف الأولى وهي الحصول على عدد كبير من الأسلحة عن طريق الهجوم على ثكنات العدو وتجنيد المناضلين وراء الثورة وعلى كل واحد الشروع في ناحيته للتحضير لهذا الحدث العظيم.

وبعد كل المناقشات التي دارت بين الجماعة في الأخير عُيّن مصطفى بن بوالعيد لمواصلة التحضير ولكنه تنازل وكلف بوضياف، قام بوضياف بتعيين لجنة متكونة من بوالعيد وبوضياف وبن مهيدي وديدوش وبيطاط للقيام بالمهام التالية:

تعيين منسق للثورة على أنّ المبدأ الذي يجب أن تسير عليه الثورة هو القيادة الجماعية والابتعاد عن الزعامة الفردية.

التصال بكريم بلقاسم وجماعة القبائل الذين لم يحضروا الاجتماع لإقناعهم بالانضام إلى الثورة.

تحديد تاريخ اندلاع الثورة.

أجتماع بولوغين

في شهر أكتوبر 1954 وقع اجتماع في منزل بوقشورة بحي (pointe pescade) رايس حميدو بعد أن تمّ الاتصال بكريم بلقاسم وموافقته على الانضمام إلى الجماعة للقيام بالثورة وحضر في هذا الاجتماع من يعرفون بمجموعة الستة وهم: بوضياف، مصطفى بن بوالعيد، العربي بن مهيدي، مراد ديدوش، رابح بيطاط وكريم بلقاسم وقد تمّ الاتفاق على القرارات التالية:

تعيين بوضياف منسقا للثورة

تقسيم التراب الجزائري إلى ستّ مناطق وتعيين المسؤولين على هذه المناطق وهم:

مصطفى بن بوالعيد على المنطقة الأولى (الأوراس) وهو يختار خليفته وكان شيهاني البشير.

مراد ديدوش على المنطقة الثانية (شمال قسنطينة) ونائبه يوسف زيغود وبعده مختار باجي والأخضر بن طوبال.

بلقاسم كريم على المنطقة الثالثة (القبائل) ونائبه أعمر أوعمران.

رابح بيطاط على المنطقة الرابعة (وسط الجزائر) ونائبه بوجمعة سويداني.

العربي بن مهيدي على المنطقة الخامسة (وهران) ونائبه عبد الحفيظ بوصوف.

والمنطقة السادسة (الجنوب والصحراء) أجّل تعيين المسؤول عليها.

حدّد تاريخ اندلاع الثورة بفاتح نوفمبر 1954 على الساعة الصفر يعني ليلة 31 أكتوبر في جميع المناطق بدون تأخير أو تقديم على الوقت المحدّد.

كلّف بوضياف بتبليغ هذه القرارات إلى الإخوة الثلاثة الموجودين في القاهرة بعد طردهم من الجزائر من طرف السلطات الاستعمارية بسبب نشاطهم الثوري وهم أحمد بن بلة ومحمد خيضر وحسين أيت أحمد.

إصدار بيان موجّه للرأي العام الجزائري والعالمي يخبر باندلاع الثورة وبتحديد هدفها وبميلاد حركة تسمّى جبهة التحرير الوطني وهو نداء فاتح نوفمبر.

اتفق الجميع على أنّ تحديد الأهداف التي يقع عليها الهجوم يتكفل به مسؤول المنطقة بمساعدة نوابه وهي ترمي إلى تحقيق هدفين أساسيين وهما الإعلان عن قيام الثورة وجمع ما أمكن من السلاح من عند العدو.

بيان فاتح نوفمبر

واقترانا بهذه العمليات المسلحة وزّع منشور، كتبه الصحفي محمد العيشاوي في بيت المناضلين رابح إيدير وأعمر بن رمضاني في قرية إيغيل إيمولا، وهو “بيان أول نوفمبر 1954م” ينص على النقاط التالية:

الإعلان عن قيام الثورة ضدّ الاستعمار وميلاد (جبهة التحرير الوطني) لقيادتها.

شرح الأسباب التي دفعت إلى القيام بهذه الثورة وخاصة منها الأزمة التي عرفها حزب الشعب وانقسامه بين المصاليين والمركزيين.

هدف الثورة هو استرجاع السيادة الوطنية المتمثلة في استقلال الجزائر.

الهدف الألي هو توحيد الشعب الجزائري وراء جبهة التحرير الوطني ثم التعريف بالققضية الجزائرية في الخارج.

استعمال جميع الوسائل السياسية والعسكرية للوصول إلى هذا الهدف.

بسم الله الرّحمن الرّحيم نداء إلى الشعب الجزائري

هذا هو نص أول نداء وجهته الكتابة العامة لجبهة التحرير الوطني

إلى الشعب الجزائري في أول نوفمبر 1954

” أيها الشعب الجزائري،

أيها المناضلون من أجل القضية الوطنية،

أنتم الذين ستصدرون حكمكم بشأننا ـ نعني الشعب بصفة عامة، والمناضلون بصفة خاصة ـ نُعلمُكم أن غرضنا من نشر هذا الإعلان هو أن نوضح لكُم الأسْباَبَ العَميقة التي دفعتنا إلى العمل، بأن نوضح لكم مشروعنا والهدف من عملنا، ومقومات وجهة نظرنا الأساسية التي دفعتنا إلى الاستقلال الوطني في إطار الشمال الإفريقي، ورغبتنا أيضا هو أن نجنبكم الالتباس الذي يمكن أن توقعكم فيه الإمبريالية وعملاؤها الإداريون وبعض محترفي السياسة الانتهازية.

فنحن نعتبر قبل كل شيء أن الحركة الوطنية ـ بعد مراحل من الكفاح ـ قد أدركت مرحلة التحقيق النهائية. فإذا كان هدف أي حركة ثورية ـ في الواقع ـ هو خلق جميع الظروف الثورية للقيام بعملية تحريرية، فإننا نعتبر الشعب الجزائري في أوضاعه الداخلية متحدا حول قضية الاستقلال والعمل، أما في الأوضاع الخارجية فإن الانفراج الدولي مناسب لتسوية بعض المشاكل الثانوية التي من بينها قضيتنا التي تجد سندها الديبلوماسي وخاصة من طرف إخواننا العرب والمسلمين.

إن أحداث المغرب وتونس لها دلالتها في هذا الصدد، فهي تمثل بعمق مراحل الكفاح التحرري في شمال إفريقيا. ومما يلاحظ في هذا الميدان أننا منذ مدة طويلة أول الداعين إلى الوحدة في العمل. هذه الوحدة التي لم يتح لها مع الأسف التحقيق أبدا بين الأقطار الثلاثة.

إن كل واحد منها اندفع اليوم في هذا السبيل، أما نحن الذين بقينا في مؤخرة الركب فإننا نتعرض إلى مصير من تجاوزته الأحداث، وهكذا فإن حركتنا الوطنية قد وجدت نفسها محطمة، نتيجة لسنوات طويلة من الجمود والروتين، توجيهها سيئ، محرومة من سند الرأي العام الضروري، قد تجاوزتها الأحداث، الأمر الذي جعل الاستعمار يطير فرحا ظنا منه أنه قد أحرز أضخم انتصاراته في كفاحه ضد الطليعة الجزائرية.

إن المرحلة خطيرة.أمام هذه الوضعية التي يخشى أن يصبح علاجها مستحيلا، رأت مجموعة من الشباب المسؤولين المناضلين الواعين التي جمعت حولها أغلب العناصر التي لا تزال سليمة ومصممة، أن الوقت قد حان لإخراج الحركة الوطنية من المأزق الذي أوقعها فيه صراع الأشخاص والتأثيرات لدفعها إلى المعركة الحقيقية الثورية إلى جانب إخواننا المغاربة والتونسيين.

وبهذا الصدد، فإننا نوضح بأننا مستقلون عن الطرفين اللذين يتنازعان السلطة، إن حركتنا قد وضعت المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات التافهة والمغلوطة لقضية الأشخاص والسمعة، ولذلك فهي موجهة فقط ضد الاستعمار الذي هو العدو الوحيد الأعمى، الذي رفض أمام وسائل الكفاح السلمية أن يمنح أدنى حرية.

و نظن أن هذه أسباب كافية لجعل حركتنا التجديدية تظهر تحت اسم : جبهة التحرير الوطني.

و هكذا نستخلص من جميع التنازلات المحتملة، ونتيح الفرصة لجميع المواطنين الجزائريين من جميع الطبقات الاجتماعية، وجميع الأحزاب والحركات الجزائرية أن تنضم إلى الكفاح التحرري دون أدنى اعتبار آخر.

ولكي نبين بوضوح هدفنا فإننا نسطر فيما يلي الخطوط العريضة لبرنامجنا السياسي.

الهدف: الاستقلال الوطني بواسطة:

1 ـ إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية.

2 ـ احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني.

الأهداف الداخلية: 1 ـ التطهير السياسي بإعادة الحركة الوطنية إلى نهجها الحقيقي والقضاء على جميع مخلفات الفساد وروح الإصلاح التي كانت عاملا هاما في تخلفنا الحالي.

2 ـ تجميع وتنظيم جميع الطاقات السليمة لدى الشعب الجزائري لتصفية النظام الاستعماري.

الأهداف الخارجية: 1 ـ تدويل القضية الجزائرية

2 ـ تحقيق وحدة شمال إفريقيا في داخل إطارها الطبيعي العربي والإسلامي.

3 ـ في إطار ميثاق الأمم المتحدة نؤكد عطفنا الفعال تجاه جميع الأمم التي تساند قضيتنا التحريرية.

وسائل الكفاح:

انسجاما مع المبادئ الثورية، واعتبارا للأوضاع الداخلية والخارجية، فإننا سنواصل الكفاح بجميع الوسائل حتى تحقيق هدفنا.

إن جبهة التحرير الوطني، لكي تحقق هدفها يجب عليها أن تنجز مهمتين أساسيتين في وقت واحد وهما: العمل الداخلي سواء في الميدان السياسي أو في ميدان العمل المحض، والعمل في الخارج لجعل القضية الجزائرية حقيقة واقعة في العالم كله، وذلك بمساندة كل حلفائنا الطبيعيين.

إن هذه مهمة شاقة ثقيلة العبء، وتتطلب كل القوى وتعبئة كل الموارد الوطنية، وحقيقة إن الكفاح سيكون طويلا ولكن النصر محقق.

وفي الأخير، وتحاشيا للتأويلات الخاطئة وللتدليل على رغبتنا الحقيقة في السلم، وتحديدا للخسائر البشرية وإراقة الدماء، فقد أعددنا للسلطات الفرنسية وثيقة مشرفة للمناقشة، إذا كانت هذه السلطات تحدوها النية الطيبة، وتعترف نهائيا للشعوب التي تستعمرها بحقها في تقرير مصيرها بنفسها.

1 – الاعتراف بالجنسية الجزائرية بطريقة علنية ورسمية، ملغية بذلك كل الأقاويل والقرارات والقوانين التي تجعل من الجزائر أرضا فرنسية رغم التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والعادات للشعب الجزائري.

2 – فتح مفاوضات مع الممثلين المفوضين من طرف الشعب الجزائري على أسس الاعتراف بالسيادة الجزائرية وحدة لا تتجزأ.

3 – خلق جو من الثقة وذلك بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ورفع الإجراءات الخاصة وإيقاف كل مطاردة ضد القوات المكافحة.

وفي المقابل:

1 – فإن المصالح الفرنسية، ثقافية كانت أو اقتصادية والمحصل عليها بنزاهة، ستحترم وكذلك الأمر بالنسبة للأشخاص والعائلات.

2 – جميع الفرنسيين الذين يرغبون في البقاء بالجزائر يكون لهم الاختيار بين جنسيتهم الأصلية ويعتبرون بذلك كأجانب تجاه القوانين السارية أو يختارون الجنسية الجزائرية وفي هذه الحالة يعتبرون كجزائريين بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات.

3 – تحدد الروابط بين فرنسا والجزائر وتكون موضوع اتفاق بين القوتين الاثنتين على أساس المساواة والاحترام المتبادل.

أيها الجزائري، إننا ندعوك لتبارك هذه الوثيقة، وواجبك هو أن تنضم لإنقاذ بلدنا والعمل على أن نسترجع له حريته، إن جبهة التحرير الوطني هي جبهتك، وانتصارها هو انتصارك.

أما نحن، العازمون على مواصلة الكفاح، الواثقون من مشاعرك المناهضة للإمبريالية، فإننا نقدم للوطن أنفس ما نملك.”

فاتح نوفمبر 1954 الأمانة الوطنية.

السياسة الفرنسية في الجزائر

لقد أحدث المشروع الاستعماري الفرنسي في الجزائر جروحًا عميقة في بناء المجتمع الجزائري، حيث عملت فرنسا على إيقاف النمو الحضاري والمجتمعي للجزائر مائة واثنتين وثلاثين سنة، وحاولت طمس هوية الجزائريين الوطنية، وتصفية الأسس المادية والمعنوية التي يقوم عليها هذا المجتمع، بضرب وحدته القبلية والأسرية، واتباع سياسة تبشيرية تهدف إلى القضاء على دينه ومعتقده الإسلامي، وإحياء كنيسة أفريقيا الرومانية التي أخذت بمقولة “إن العرب لا يطيعون فرنسا إلا إذا أصبحوا فرنسيين، ولن يصبحوا فرنسيين إلا إذا أصبحوا مسيحيين”. وكان التوجه الفرنسي يعتمد على معاداة العروبة والإسلام، فعملت على محو اللغة العربية، وطمس الثقافة العربية والإسلامية، وبدأ ذلك بإغلاق المدارس والمعاهد، ثم تدرج مع بداية القرن العشرين إلى منع تعلم اللغة العربية باعتبارها لغة أجنبية، وعدم السماح لأي شخص أن يمارس تعليمها إلا بعد الحصول على ترخيص خاص وفي حالات استثنائية، ومن ناحية أخرى عملت على نشر الثقافة واللغة الفرنسية، واشترطوا في كل ترقية اجتماعية ضرورة تعلم اللغة الفرنسية، كذلك عملوا على الفصل بين اللغة العربية والإسلام، والترويج لفكرة أن الجزائريين مسلمون فرنسيون.

واهتم الفرنسيون بالترويج للهجات المحلية واللسان العامي على حساب اللغة العربية، فشجعوا اللهجةالجزائرية، واتبعوا كل سبيل لمحاربة اللسان العربي، واعتبروا اللغة العربية الفصحى في الجزائر لغة ميتة. وقد سعى الفرنسيون إلى ضرب الوحدة الوطنية الجزائرية بين الأمازيغ والعرب، فأوجدوا تفسيرات مغرضة وأحكاما متحيزة لأحداث التاريخ الجزائري، ومنها أن الأمازيغ كان من الممكن أن يكون لهم مصير أوروبي لولا الإسلام، واعتبروا العنصر الأمازيغي من أصل أوروبي، وحكموا عليه بأنه معاد بطبعه للعرب، وسعوا لإثبات ذلك من خلال أبحاث ودراسات تدعي العلمية، وخلصوا من هذه الأبحاث الاستعمارية في حقيقتها إلى ضرورة المحافظة على خصوصية ولغة منطقة القبائل الأمازيغية بعيدًا عن التطور العام في الجزائر. واتبع الفرنسيون سياسة تبشيرية لتنصير المسلمين خاصة في منطقة القبائل، فتعرض رجال الإصلاح وشيوخ الزوايا للتضييق والمراقبة والنفي والقمع، وفتحت كثير من المدارس التبشيرية وبنيت الكنائس ووجه نشاطها للأعمال الخيرية والخدمات الاجتماعية لربطها بواقع السكان هناك، وقام الرهبان والقساوسة بالتدريس في الكثير من المدارس. وحسب الإحصائيات الفرنسية بالجزائر فإن منطقة القبائل كان بها مدرسة لكل (2100) طفل، في حين كانت هناك مدرسة لكل أربعين ألف طفل في بعض المناطق الأخرى بالجزائر. وسعى الفرنسيون إلى عزل بعض المناطق بالجزائر والحيلولة دون اتصالها أو تفاعلها مع باقي المناطق الأخرى، وكان تركيزهم على منطقة القبائل، ورعوا نزعاتها الإقليمية التي تتنافى مع وحدة الشعب الجزائري، وذلك بالاهتمام بالأعراف والتقاليد واللهجات والفولكلور على حساب الثقافة العربية الإسلامية، وصدرت تعليمات واضحة لموظفي الإدارة الاستعمارية الجزائرية تتلخص في ضرورة حماية القبائل وتفضيلهم في كل الظروف على العرب، ولولا المواقف الشجاعة والتضحيات التي قدمها أبناء القبائل لأمكن للمخطط الاستعماري تدمير البنية الاجتماعية للشعب الجزائري في تلك المناطق.

موقف الشعب الجزائري

لم يتجاوب الشعب الجزائري مع السياسة الفرنسية في جميع الجهات بدون استثناء، لا سيما في المناطق التي عرفت ضغطًا فرنسيًا مكثفًا لتحويل اتجاهها الوطني، فلم يكن للإعانات ولا المساعدات التي تقدمها الإرساليات التبشيرية ولا للتعليم الذي وفرته المدرسة الفرنسية، ولا للمستوطنين الفرنسيين، ولا للمهاجرين الجزائريين الذين تنقلهم السلطات للعمل في فرنسا ـ أثر في فرنسا الشعب الجزائري، وهو ما دفع مخططي السياسة الفرنسية إلى اتهام الجزائريين بأنهم شعب يعيش على هامش التاريخ. وحارب الشعب سياسة التفرقة الطائفية برفع شعار “الإسلام ديننا، والعربية لغتنا والجزائر وطننا” الذي أعلنه العالِم والمجاهد الجليل عبد الحميد بن باديس، ورأى المصلحون من أبناء الجزائر في ظل فشل حركات المقاومة، أن العمل يجب أن يقوم –في البداية- على التربية الإسلامية لتكوين قاعدة صلبة يمكن أن يقوم عليها الجهاد في المستقبل، مع عدم إهمال الصراع السياسي فتم تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام [1350 هـ=1931 م] بزعامة ابن باديس، التي افتتحت مدارس لتعليم ناشئة المسلمين، وهاجم ابن باديس الفرنسيين وظلمهم، وشنع على عملية التجنس بالفرنسية وعدها ذوبانًا للشخصية الجزائرية المسلمة، وطالب بتعليم اللغة العربية والدين الإسلامي، وأثمرت هذه الجهود عن تكوين نواة قوية من الشباب المسلم يمكن الاعتماد عليها في تربية جيل قادم. وعلى الصعيد السياسي بدأ الجزائريون المقاومة من خلال التنظيم السياسي الذي خاض هذا الميدان بأفكار متعددة، فمنهم من يرى أن الغاية هي المساواة بالفرنسيين، ومنهم الشيوعيون، والوطنيون المتعصبون، وظهرت عدة تنظيمات سياسية منها: حزب نجم شمال أفريقيا بزعامة مصالي الحاج الذي عرف بعد ذلك بحزب الشعب الجزائري، وتعرض زعيمه إلى الاعتقال والنفي مرات كثيرة.

كان زعماء الثورة على اتصال من الأحداث وتطورها دوليا، والشعب الجزائري يصله أخبار الشعوب التي استقلت حديثا وظهرت إلى الوجود بعد الحرب العالمية الثانية كالثورة التونسية عام 1952 والثورة مغرب الأقصى عام 1953 والثورة المصرية عام 1952؛ الوطن العربي كله يتأجج في حالة ثورة واشتعال، انتشرت موجة التحرير في العالم الثالث في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحصل كثير من الدول على الاستقلال؛ كان هذا عاملا قويا لاندلاع الثورة الجزائرية.

لقد تم وضع اللمسات الأخيرة للتحضير لاندلاع الثورة التحريرية في 23 مارس 1954 بميلاد اللجنة الثورية للوحدة والعمل واصدارها مجلة ” الوطني” وفي 17 جوان 1954 عقدت لجنة الإثني والعشرين (22) اجتماعا بمنزل الياس دريش بحي المدنية في مدينة الجزائر اين تقرر خلاله تفجير الثورة التحريرية. في 23 أكتوبر 1954 لجنة الستة (06) تعقد اجتماع في حي رايس حميدو بالجزائر لتوسيع مهام وتحديد المهام وفي 01 نوفمبر 1954 تقرر اندلاع الثورة التحريرية بنداء 01 نوفمبر 1954 حيث دعا النداء إلى استقلال الجزائر واسترجاع السيادة الوطنية وإنشاء دولة ديمقراطية اجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية. وتم إنشاءجبهة التحرير الوطني وجناحها العسكري المتمثل في جيش التحرير الوطني. وتهدف المهمة الأولى للجبهة في الاتصال بجميع التيارات السياسية المكونة للحركة الوطنية قصد حثها على الالتحاق بمسيرة الثورة، وتجنيد الجماهير للمعركة الحاسمة ضد المستعمر الفرنسي تحديد تاريخ اندلاع الثورة التحريرية : كان اختيار ليلة الأحد إلى الاثنين أول نوفمبر 1954 كتاريخ انطلاق العمل المسلح يخضع لمعطيات تكتيكية – عسكرية، منها وجود عدد كبير من جنود وضباط جيش الاحتلال في عطلة نهاية الأسبوع يليها انشغالهم بالاحتفال بعيد مسيحي، وضرورة إدخال عامل المباغتة. تحديد خريطة المناطق وتعيين قادتها بشكل نهائي، ووضع آخر اللمسات لخريطة المخطط الهجومي في ليلة أول نوفمبر. كل هذا بعد أن عرف الشعب الجزائري ان المستعمر الفرنسي لا يهمه المقاومة السياسية بل استعمال القوة وأن تحرير الجزائر ليس بالامر المستحيل.

اندلعت ثورة التحرير الجزائرية في 1 نوفمبر 1954 ضد الاستعمار الفرنسي الذي احتلّ البلاد منذ سنة 1830 (احتلال دام 132 سنة)، ودامت ثورة التحرير الجزائرية طيلة سبعة سنوات ونصف من الكفاح المسلح والعمل السياسي، وانتهت بإعلان استقلال الجزائر يوم 5 جويلية 1962 بعد أن سقط فيها أكثر من مليون ونصف مليون قتيل جزائري، وذلك ما أعطى الجزائر لقب بلد المليون ونصف المليون شهيد في الوطن العربي.

دارت الحرب بين الجيش الفرنسي والثوار الجزائريين، الذين استخدموا حرب العصابات بصفتها الوسيلة الأكثر ملاءمة لمحاربة قوة جرَّارة مجهزة أكبر تجهيز، خصوصاً وأن الثوار لم يكونوا يملكون تسليحاً معادلاً لتسليح الفرنسيين. استخدم الثوار الجزائريون الحرب البسيكولوجية بصفة متكاملة مع العمليات العسكرية.

كان الجيش الفرنسي يتكون من قوات الكوماندوز والمظليين والمرتزقة متعددة الجنسيات، وقوات حفظ الأمن، وقوات الاحتياط، والقوات الإضافية من السكان الأصليين أو من أطلق عليهم اسم الحركة. حظت قوات جيش التحرير الوطني التابعة للفرع العسكري من جبهة التحرير الوطني على تأييد الشعب الجزائري الكامل، بل والجالية الجزائرية في المهجر، وخاصة في فرنسا.

انتهت الحرب بإعلان استقلال الجزائر في 5 جويلية 1962، وهو نفس التاريخ الذي أعلن فيه احتلال الجزائر في سنة 1830. وقد تلا إعلان الاستقلال الجنرال شارل ديغول عبر التلفزيون، مخاطباً الشعب الفرنسي. جاءَ الاستقلال نتيجة استفتاء تقرير المصير للفاتح من جويلية، المنصوص علية في اتفاقيات إيفيان في 18 مارس 1962، وأعلن على إثره ميلاد الجمهورية الجزائرية في 25 من سبتمبر ومغادرة مليون من الفرنسيين المعمّرين بالجزائر منذ سنة 1830.

المنابع:صحف ومواقع

النهایة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *