زينب الحوراء في مشهد النصرة والفداء

ان تسليط الضوء على دور النساء في قضية عاشوراء يمكن أن يوضح دورهن في المجتمع الإنساني، ولاسيما في الحركة السياسية والاجتماعية العامة، فللنساء كان لهن دورا كبيرا ومهما في النهضة الحسينية لا يقل عن دور الرجال فيها، ولاسيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار الخصوصيات التي يتميز بها الإمام الحسين (ع) كإمام مفروض الطاعة وله مواصفات خاصة لا يمكن أن يشبهه فيها أحد من الناس.

أدت المرأة في المجتمع الإسلامي دورا مهما بفضل إيمانها بالعقيدة الإلهية التي صاغت منها وجودا طاهراً وفاعلا، فإن نموذج المرأة التي اشتركت في واقعة الطف كانت قد بلغت القمة في ذلك الدور، وتألقت في آفاق الإنسانية لتخلد بخلود الموقف، وأصبحت بعد هذه الملحمة البطولية المثل النسوي الذي جسد المبادئ الإسلامية، والمعروف إن دور الرجل يتوزع على مسؤوليات عديدة مختلفة في الحياة، ودور المرأة لا ينقص عن دائرة الرجل في تعدد المسؤوليات الشرعية والإنسانية والاقتصادية في الحدود التي يجيزها الشرع والعقل والعلم.

ولكن هناك دور تفضل فيه المرأة على الرجل، وهو أخطر شيء في حياة المجتمع الإسلامي، ألا وهو تنشئة الجيل وفق الرؤى الإسلامية وإعداده إعدادا مؤهلا كي يديم الحياة، ويساهم في تطويره نحو الأحسن، لذلك أكد الرسول (ص) على حسن التبعل، قال: “اختاروا لنطفكم فان العرق دساس”، فكل الأنبياء لهم أمهات طاهرات حملن رجالا تأدبوا بآدابهن فانعكست تلك التربية على شخصيتهم.

وهناك نساء لهن دور في صياغة مواقف وقفها رجال وأولاد وأبناء غيروا وجه التاريخ، وكانت نساء الطف اللاتي شاركن الحسين بثورته، من ارفع النساء وأشرفهن تاريخا المرأة التي اشتركت في كربلاء بلغن القمة في ذلك الدور، وتألقن في آفاق الإنسانية لتخلد بخلود الموقف، أصبحت نساء الطف بعد هذه الملحمة المثل النسوي الذي جسد المبادئ الإسلامية.

فانتصرت المرأة في كربلاء أكثر من مرة.. مرة للحق باعتبار أن موقف الإمام الحسين (ع) كان موقفاً عادلا، ومرة للإنسانية، لأن رسالة الحسين (ع) كانت من أجل الإنسانية، ومع أن المرأة الثورية مارست دوراً رائداً في واقعة الطف وملحمة الخلود كربلاء، إلا أن التاريخ لم يعكس على صفحاته ذلك الدور وبحجم واقعه الحقيقي على الأرض، ولم تلق من قبل الباحثين والكتاب وكأنها عنصر هامشي في هذا الموقف الخطير.

فسجلت المرأة في معركة الطف أدواراً متميزة في مشهد النصرة والفداء كانت من أنصع الصفحات وأكثرها إشراقاً في التاريخ الرسالي، وقد جاوزت المرأة في ذلك طبيعتها المعتادة في الحرص على سلامة أبنائها وأزواجها وتمني دفع الغوائل عنهم إلى الحالة الأسمى في التضحية بدفع الأبناء والأزواج معاً إلى سوح الوغى وحثهم على الصمود والبسالة فيها، وتقبل استشهادهم فيها بالرضا والاطمئنان!

فهذه النساء ضربن أروع أمثله للشجاعة والإباء ورفض الظلم والذل، وكان لهن في ثورة الإمام الحسين عليه السلام بشكل عام وفي واقعة الطف بشكل خاص دور كبير ومهم ساعد في إنجاح الثورة وأوصلن رسالة مدوية للعالم بنصرتهن للمظلوم ورفضهن للظلم والطغاة.

وعلى الرغم من عدم وجود إحصائية دقيقة تبين عدد الشخصيات النسائية اللاتي شهدن واقعة ألطف، الا ان الكتب والأبحاث تناقلت بعض أسماء النساء الجليلات اللاتي شهدن الواقعة، أو ‏اشتهر حضورهن من خلال مواقفهن مع أقاربهن (الزوج، الأب، الولد ‏‏..).

العلامة الفارقة من نساء الطف هي السيدة زينب (ع)، فكما أن الإمام الحسين (عليه السلام) يبقى رمز كل الرجال الذين شاركوا في واقعة كربلاء، وملحمة الشهادة والفداء والبذل والتضحية والمعاناة، كذلك تبقى الحوراء زينب (عليه السلام) عقيلة بني هاشم تمثل الرمز في هذه الحركة بالنسبة إلى النساء، وكان لها دور عظيم في كربلاء والكوفة والشام، وكان لها دور بارز في جميع المواطن في واقعة ألطف فكانت تشفي العليل وتراقب أحوال أخيها الحسين عليه السلام ساعة فساعة وتخاطبه وتسأله عند كل حادثه وهي التي كانت تدبر أمر العيال والأطفال وتقوم في ذلك مقام الرجال.

ان الدور الذي اضطلعت به الحوراء زينب (ع) منذ تحرك ركب الإمام الحسين من المدينة إلى يوم واقعة ألطف، اي بعد ان قضى الحسين وأهل بيته واصحابه نحبهم قد تحول من مجرد مربية وقائدة للجبهة الداخلية وتحديداً لزمرة الحريم بحيث لا تؤثر عواطفهن على الموقف المبدئي بشكل سلبي، خاصة اذا ما علمنا ان عدد النساء في معسكر الحسين لا يستهان به، لكن ما ان أغمض الحسين (ع) جفنه حتى تحول دورها (ع) الى قيادة الثورة، نعم هي لم تحمل السلاح ولم تقاتل، ولكنها أخرجت لسانها المعصوم من غمده فكان أمضى من كل سلاح، وكيف لا وهي ربيبة أمير البلاغة الإمام علي (ع).

فقد خطبت بأهل الكوفة وأهل الشام لتكشف لهم الحقيقة التي غيبها الإعلام الأموي، ثم لتقف أمام الطاغية يزيد وهي تخاطبه بكل شجاعة (وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الازكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء..) لتذكر الناس بأفعال بني أمية الجاهلية اللااخلاقية، ثم تهدده بسوء العاقبة (وحسبك بالله حاكماً وبمحمد (ص) خصيماً وبجبرائيل ظهيراً.. بأس للظالمين بدلاً) وتختتم كلامها برباطة جأش لتصف ما جرى كما تراه بنظرتها الإيمانية، لا بمقاييس أهل الدنيا (فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا.. الحمد لله رب العالمين الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة)، ويستسلم هذا الطاغية مشدوهاً أمام القدرة الربانية التي تحملها هذه القديسة الطاهرة، بل ويقام رغماً عنه وفي شامه وفي قصره مجلس عزاء الإمام الحسين (ع).

وتبلغ السيدة زينب في شجاعتها إلى الغاية في استصغار شأن يزيد والاستهانة بتقريعه وتوبيخه، ومن ثم إنذاره بسخط الله ورسوله وملائكته عليه، جراء ما اجترح من الجناية بحقهم ما لم يبلغنا عن امرأة أنها قد نطقت أمام حاكم جائر مستبد بمثل ما قد نطقت به تلك المرأة المفجوعة بأهلها وذويها وبعبارات ملؤها التحدي وكبرياء الموقف، وفي تحذير صريح بالمصير المحتوم للظالمين: “ولئن جرت عليَّ الدواهي مخاطبتك، إني لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرى”، “ولئن اتخذتنا مغنماً، لتجدنّ وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، وما ربك بظلام للعبيد، وإلى الله المشتكى وعليه المعول”.

مروة الاسدي

النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *