العلاقات الإيرانية الأمريكية في عهد بايدن

ليس فقط في إدارة بايدن ولكن على المستوى السياسي في أمريكا، تم تشكيل إجماع جديد حول الصين وروسيا: ترتيب أوراق صنع السياسة من التنافس إلى المواجهة المحسوبة. لطالما تبنت روسيا والصين نهج “التعاون والمواجهة المتزامنين” مع الولايات المتحدة، لكن سياسات إدارة بوش، وخاصة أوباما، دفعت الأمريكيين إلى التعاون بدلا من المواجهة. يمكن تلخيص المواجهة المحسوبة في ان: الولايات المتحدة سترد على أي سلوك سلبي. بعبارة أخرى، ستكون السياسة الخارجية الأمريكية مجموعة من السياسات وردود الأفعال في إطار التشجيع والعقاب في نفس الوقت. يبدو أن هذا الإجماع الجديد ليس إستراتيجية ولا تكتيكا، ولكنه نوع من التكيف مع نظام دولي ثلاثي الأقطاب، تسعى فيه الولايات المتحدة إلى الحد من نطاق القطبين الآخرين قدر الإمكان.

سيستمر هذا النظام الثلاثي الأقطاب لعقود وسيصاحبه الغموض والفرص والسلوكيات المتناقضة للبلدان. لدى الولايات المتحدة ستة شركاء موثوق بهم نسبيا في هذا النهج: المملكة المتحدة وكندا واليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية والهند. تشير الأدلة إلى أن الولايات المتحدة قررت استخدام نفس طريقة التشجيع والعقاب مع تركيا والسعودية والعراق وأفغانستان. من الجدير بالذكر أن ألمانيا وفرنسا، ودون القيام بالدعاية، أقاما بهدوء علاقات اقتصادية / سياسية مهمة مع روسيا والصين وتريدان التعاون الثنائي مع الأقطاب الثلاثة في نظام دولي ثلاثي الأقطاب.

إن منهجية حكومة بايدن هي السير بأسلوب ممنهج وخطوة بخطوة. فريق السياسة الخارجية والأمن القومي لبايدن ليسوا منظرين (مثل بريجنسكي) ولا أيديولوجيين (مثل بولتون). بدلا من ذلك، سوف يتصرفون بالإجماع والتواصل والتعاقب. تتوافق هذه المنهجية مع المواجهة المحسوبة، لأنه في ظروف الغموض والتناقض، لا يمكن امتلاك إستراتيجية أساسا، ولكن يمكن تحديد أهداف ما. السؤال المطروح هنا هو: بالنظر إلى الخطوط العريضة لـ “المعارضة المحسوبة” والمنهجية المتدرجة، ما نوع التصورات التي يمكن إعطاؤها لنهج حكومة بايدن تجاه إيران؟

في بعض الأحيان يمكن للمرء من خلال كلمة واحدة، أن يفهم العمق النظري لما يقال في الاجتماعات السرية للدول. بينما كانت إدارة ترامب تسعى إلى إبرام اتفاق نووي جديد بزيادة العقوبات، تحدث مسئول في إدارة بايدن مؤخرا عن عبارة “ Boxing them In” أو فرض حصار على إيران من خلال اتفاق نووي جديد. 

دون ان نريد إطلاق الحكم على صحتها، من الضروري أولا تحديد افتراضات فريق السياسة الخارجية لبايدن حول إيران بناء على طريقة تحليل المحتوى:

  1. الضغط على إيران يؤتي بثمره؛
  2. إن الوضع المالي والاقتصادي ومبيعات النفط لإيران في أسوأ حالاته؛
  3. سياسة إيران النووية، وسياسة إيران الخارجية، تتجاوز مؤسسة الحكومة. لا يهم أي تيار سياسي يجلس في الجانب الآخر من طاولة المفاوضات؛
  4. الوقف الكامل لبرنامج إيران النووي يتطلب اتفاق نووي جديد؛
  5. ستحد الجبهة المتحدة المكونة من أمريكا والاتحاد الأوروبي وإسرائيل والسعودية بشدة من خيارات إيران.

بناء على هذه الافتراضات، يبدو أن الخطوات التدريجية لإدارة بايدن في التطورات المستقبلية؛ وهي ستحاول دفع القضية النووية وإيران إلى الأمام في إطار نهج التشجيع والعقاب؛ تأتي على النحو التالي:

إنشاء جبهة موحدة مكونة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإسرائيل والسعودية؛

تشجيع ومعاقبة روسيا والصين كي لا يستخدما الورقة الإيرانية في تعاملاتهما المستقبلية مع الولايات المتحدة، وحتى إذا لم يصرحا بأنهما إلى جانب الأمريكي عمليا؛

بالحفاظ على إطار العقوبات، تتخذ أمريكا الصبر حتى تقبل الحكومة الإيرانية سواء الحالية أو المنتخبة بعد أشهر بإجراء المفاوضات، ونظرا إلى الإجماع العالمي، تقوم بمناقشة بنود الاتفاق النووي الجديد؛

مقابل كل خطوة إيجابية تتخذها إيران في التعاون مع الوكالة النووية، والقبول بفحوى الاتفاق النووي الجديد تدريجيا، ترفع عدد من العقوبات المبدئية والخاصة بالنووي أو تعلقها أو تقللها في إطار سياسة التنقيط؛

مقابل كل خطوة إيجابية تتخذها إيران في التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والقبول التدريجي لبنود الاتفاق النووي الجديد، ستفرج الولايات المتحدة تدريجيا عن الأصول الإيرانية المجمدة بشروط خاصة، وتحد من تدخل أنظمة الأمن الأجنبية في إيران، لكنها تحافظ على ضغوط حقوق الإنسان؛

الإبقاء على إغلاق سبل بناء العلاقات بين إيران ودول الخليج، وجعل إعادة فتح العلاقات الاقتصادية الأوروبية مع إيران مشروطة بإحراز تقدم في مفاوضات الاتفاق النووي؛

 طمأنة إسرائيل أنه من خلال مفاوضات الاتفاق النووي الجديد، ستنخفض توجهات السعودية ومصر وتركيا لإنشاء برنامج نووي وبالتالي انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط إلى الحد الأدنى أو حتى إلى الصفر؛

في عملية التفاوض، يمكن أن يخضع أي سلوك “غير مقبول” من جانب إيران في المنطقة لنهج “التشجيع والعقاب”؛

نظرا لرفض إدارة بايدن والكونغرس الأمريكي والاتحاد الأوروبي ودول المنطقة الاتفاق النووي السابق، يجب ان يزيل الاتفاق النووي الجديد الغموض عن المجالات الأخرى، ويستمر دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويتم تقليل آليات إيران للعودة وتفعيل البرنامج النووي.

يمكن تلخيص الفحوى النظري لـ “المواجهة المحسوبة ومقاربة التشجيع والعقاب المتزامنين” على إيران، على النحو التالي: سيتوقف تحقيق النمو الاقتصادي والتنمية والحد من الأزمات الاجتماعية في إيران، على مراجعة برنامج إيران النووي والسياسة الخارجية. 

انخرطت حياة الإيرانيين في العلاقات الخارجية لأكثر من مائة وخمسين عاما. على أمل أن يتمكنوا من الخروج من المدارات السياسية للقوى العظمى والتوجه نحو التنويع في علاقاتهم الدولية. لقد حققت إندونيسيا، وهي أحد مؤسسي حركة عدم الانحياز، هذا الهدف بطريقتين: تماسك فكري مستقر بين المجتمع والحكومة في الداخل، وتفسير اقتصادي لطبيعة النظام الدولي.

موقع ديبلماسي إيراني 

النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *