الإسلام والتشيع في أوروبا والغرب …الجزء الثاني

 في الجزء الأول من هذه المقابلة شدد البروفيسور كثيري الذي يعمل منذ ما يزيد على ربع قرن في مجال إعداد المصادر العلمية للدراسات الشيعية، على ضرورة التعريف بالتشيع في أوروبا والغرب وتحدث عن الشيعة هناك وعن المؤتمرات والحوارات التي أجريت بين علماء الشيعة وأكاديميين في الغرب والمشاكل التي كانت تعتري طريق تقديم الشيعة والتشيع بالشكل الصحيح إلى الغرب وأوروبا، في هذا الجزء من المقابلة يتطرق كثيري إلى جوانب أخرى من هذا الموضوع.

وقال البروفيسور كثيري عند الحديث عن الدورات الأكاديمية التي تقام في مجال الدراسات الشيعية: تقام اليوم دورات أكاديمية في مجال الدراسات الشيعية في الدول الأوروبية، وأنا قمت بنشر عدة مجموعات من الكتب حول الدراسات الشيعية، ومن الملفت بان مؤلفاتي لقيت ترحيبا كبيرا في كبرى جامعات أوروبا بعد أن تم عرضها هناك. وهذا الأمر يدل على الترحيب العام بثقافة التشيع، وكما قلت سابقا فان الجامعات الغربية تقوم بتدريس التشيع، وهذا الأمر يشكل ضرورة أدركنا الحاجة إليها، فانا أقوم بتدريس التشيع ومجال دراساتي هو إلهيات الكاثوليك، لكن المهم هو إعداد مؤلفات جيدة في مجال التشيع، ونقوم بإقامة دورات عديدة في هذا المجال.

واستطرد البروفيسور كثيري قائلا: هذه المعرفة عن الشيعة التي جاءت بعد انتصار الثورة الإسلامية تختلف عن المعرفة التي كانت قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران، فقبل انتصار الثورة لم يكن الشيعة يحكمون البلاد، بل كان نظام الحكم ملكي، وكان الحكام أما لم يؤمنوا بالتشيع، أو كانوا يدعون بأنهم من الشيعة، غير انه في يومنا هذا ظهر التشيع في إطار حكومة وتم إعداد الدستور وفقا للتعاليم الشيعية، فضلا عن هذا فان هذه الحكومة الشيعية تتمتع بمكانة سامية في مختلف البلدان، وان الكثير من الناس في أوروبا يستمعون إلى أحاديث سماحة قائد الثورة والمراجع الآخرين، ففي ظل هذه الحقائق اقتنعوا بان يقوموا بالتعرف على ثقافتنا مرة أخرى، فهذا الاقتناع يعد ضرورة مهمة بحد ذاته.

وفيما يتعلق بكيفية تعامل غير الشيعة مع الشيعة صرح كثيري: عندما أتيت إلى هنا للحصول على شهادة الدكتوراه ومواصلة دراساتي، وذلك في بيئة لم يروا حتى تلك الفترة أي مسلم في كليتهم، ولم يكن لديهم أي معرفة صحيحة عن الشيعة، أو لم يسمعوا بالتشيع من ذي قبل، أنا رأيت بأنهم يتخذون الحيطة سبيلا في مثل هذه القضايا، غير أن هذه الحيطة كانت ممزوجة بالاحترام، فكانت الأنظار متجهة لي، ذلك إنني كوني عالم دين وطالب شيعي احضر هناك، وكنت أريد مواصلة دراساتي، هذا الأمر لا يصدق على الجميع، على سبيل المثال كان هناك طالب يدرس الهندسة المعمارية وهو من الشيعة ولم تكن الأنظار مركزة عليه، أو في فروع أخرى مثل الفلسفة أو العلوم الاجتماعية، أنا وبغية إزالة أي فكرة خاطئة من أذهانهم، قمت بالتعامل معهم بالطيبة والصدق.

وصرح الباحث في مجال الدراسات الشيعية: اليوم يعيش هنا وفضلا عن الطلاب والعلماء، التجار الشيعة أو السياسيين، إذ يقومون بأعمالهم بسهولة ومن دون مضايقات، بشكل عام فأنهم لا ينطلقون من فكرة مسبقة أو مقاربة غير علمية في التعامل مع التشيع، ولا يثير أي شيء شكوكهم، إلا إذا اعتبروا العمل في مجال الدراسات الشيعية تحديا لهم، في هذه الحالة يضع الأفراد أو المؤسسات العراقيل في مسارنا.

وأضاف: إن التشيع في يومنا هذا يعد هوية دينية في الغرب وأوروبا، في الحقيقة فان التشيع هي أكثر حركة فكرية ودينية حيوية، في كل العالم. فيما سبق كان التشيع مجهولا في العالم ولم يحالوا إزالته، ومرد هذا هو ضعف الشيعة ولهذا لم يثير اهتمامهم، لكن بعد الثورة الإسلامية ولما أصبحت الجوانب السياسية للتشيع محط اهتمامهم، وقد تحققت فكرة الحكومة الإسلامية، زاد تأليف الكتب البحثية السياسية إضافة إلى المواقف السياسية تجاه هذه الحركة، على هذا تاريخيا هناك مقاربتان ثنائيتان وحتى مختلفتان حول التشيع ومعارفه وعلومه، أي قبل الثورة وبعدها.

واستطرد قائلا: كما قلت سابقا فان التشيع اليوم يعد هوية دينية في أوروبا والغرب، وإنما يدل هذا الأمر على تطابقه مع الحقيقة، فلو القينا نظرة على عدد الشيعة في الغرب وأوروبا سواء في جانب الأستاذ أو الطالب الجامعي أو الكاتب الشيعي، وعدد الكتب التي الفت باللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية في مجال الدراسات الشيعية، لاتضح الأمر، ففي السابق لم يكن لدينا دراسات في مجال التشيع إلا قليلا، لكن اليوم الأمور اختلفت، وهناك الكثير من الكتب نشرت في هذا المجال، ومنها مجموعة تحمل عنوان التشيع مكونة من 50 مجلداً باللغة الألمانية، ونشرت منها حتى اليوم 14 مجلدا، وتنشر في نفس الوقت باللغة الإنجليزية، وهذا عمل فريد بنوعه، إن هذه الموسوعة للدراسات الشيعية توفر الإمكانية للطلاب والباحثين والأساتذة أن يتعرفوا على المعارف الشيعية ليس باللغة التي يتحدثون بها فحسب، بل بلغة الفكر.

وأضاف كثيري: إن الهوية الفكرية والدينية للتشيع التي تكونت في الغرب ليست منحصرة بشيعة إيران، بمعنى انه في هذه الصفوف والاجتماعات، يشارك الشيعة من مختلف بلدان العالم من آسيا وأفريقيا وأوروبا، وقبل تفشي كورونا وفي بعض المراكز الإسلامية في أوروبا كنا نقيم الاجتماعات في القاعات وكان يحضرها الكثير من الناس، وقد لقيت ترحيبا كبيرا منهم. إنما الهدف الذي أسعى إلى تحقيقه هو عمل أكاديمي فريد بنوعه، اليوم قام شيعي من أبناء هذه المجتمعات بتأليف كتب حول الدراسات الشيعية، وبلغة أكاديمية، ودخلت تلك الكتب في مكتبات الجامعات أو المكتبة الوطنية في الدول الأوروبية، كما تقوم المدارس الكاثوليكية والبروتستانت بتدريس مادة التشيع.

وفي نفس السياق أضاف: من الطبيعي أن تواجه هذه الحركة الجديدة في الجانب الثقافي والعلمي والسياسي وحتى الأمني في الغرب وأوروبا ردود الأفعال وتثير الأسئلة، هذا وعلينا أن نرد على تلك الأسئلة والشبهات، ونقدم الأدلة. فان ظهور التشيع في الغرب يجعل البعض يقومون بأعمال خارجة عن نطاق الثقافة، وعلينا أن نركز على هذه القضايا حتى لا يتعرض التعايش السلمي إلى الأضرار. ففي الجانب القانوني جعلت الهوية الشيعية في الغرب صناع القرار يصلون إلى نتيجة بأنه يجب أن يقوموا بإدراج هوية التشيع في روزنامة الجامعات والمدارس والدوائر، إذ كانت هناك اجتماعات بيني وبينهم بهدف معرفة الأسس التي تقوم عليها هوية التشيع، وما هي الجوانب التي عليهم التركيز عليها، والسبب هو أن هناك في الكثير من المناسبات على المستوى العالمي يعطلون الدوام والعمل، بالنسبة لأتباع الأديان الأخرى مثلا فيما يتعلق الإسلام فان مولود النبي ص أو عيد الأضحى تعد عطلة أو بالنسبة لليهود فهناك أيام مقدسة تعد عطلة لهم، لكن فيما يتعلق التشيع كان يوم عاشوراء يعد عندهم كجزء من هوية التشيع وإنهم يهتمون به، لكن لم يكن يوم عطلة.

وقال الباحث الشيعي البارز: إن الشيعة في الغرب هي أقلية لكنها تحمل هوية وينظر الأوروبيون لهذه الهوية بنظرة جادة، ذلك أنها هوية فاعلة وحيوية، وإنها تستقطب الآخرين نحوها، فلما كانت هذه الأقلية حيوية وناشطة فإنها تثير قلقهم، لكنني أقول لهم جازما بان هذه الهوية لا تحمل ما يثير القلق، ذلك لو قمتم بمقارنة الشيعة مع الأديان الأخرى، لرأيتم بان هوية الشيعة بفكرها وفلسفتها وفنها وشعرها، تصنع الإنسان، ولا تقود الإنسان نحو الفساد بل تدعوه للنشاط والحيوية، خاصة وان فكر التشيع هو فكر بعيد عن العنف، أو متحرر من العنف، فلو تحولت الحساسية تجاه التشيع إلى التعامل البناء فسنشاهد مستقبلا زاهرا، والنتيجة تكون التعايش السلمي في أوروبا والغرب.

وصرح: إن أقلية التشيع تحمل هوية خاصة بها، وتنطوي على مجموعات مختلفة، لكنها ليست حزبية، فالشيعة يتواجدون في كل أنحاء العالم ولديهم مؤسسات ومراكز وجمعيات، وفي يومنا هذا وبفضل وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية تتكون هوية جديدة لها، على المستوى العالمي وفي الفضاء المجازي، وأصبح بإمكان الجميع التواصل مع البعض، وأصبح بإمكان الشيعة مشاركة الآخرين في هذا المجال وفي الإطار الثقافي وبعيدا عن العنف، هذا وان الغرب قد أصبح يعرف سمات التشيع ولو قاموا بمقارنة المواقع الشيعية مع مواقع أتباع الأديان الأخرى، لشاهدوا بان الشيعة يتبنون مقاربة ثقافية في التعامل مع البعض (سوى أقلية صغيرة من الشيعة التي يحملون أهدافا أخرى، ويقيمون المراسم المذهبية بعنف، وهذا ما يسبب توجيه الآخرين الاهانات لهم ولمقدساتهم، هذا أسلوب غير منطقي، ومن الملفت بان هذه الفئة الصغيرة تميل نحو ممارسة العنف، وتحظى بتأييد الحكومات الغربية، وبالرغم من المخاطر التي يسببونها لا يشكلون مشكلة لهم، أو إنهم لا يأخذون القضايا الأمنية بعين الاعتبار في التعامل معهم، وغني عن القول بان لهذه القضية أسباب واضحة)، هذا وعامة الشيعة يتبعون مراجع التقليد حفظهم الله تعالى ويحملون الهوية الشيعية، ويعملون بشفافية ومنهم من يعيش في الغرب ويتبنى مقاربة علمية-ثقافية وهذا ما يثير الفرح والسرور في أنفسنا.

واستطرد كثيري قائلا: أما تلك الأقلية من الشيعة التي تحدثنا عنهم سابقا، تقدم الشيعة من خلال التطبير، وكأن هذا العمل هو عنوان الشيعة، وبعض أعضاء هذه الفرق تقوم بتقليد أصوات الحيوانات في المزارات، ظنا منهم بأنهم بهذا العمل يعبرون عن احترامهم لأهل البيت عليهم السلام لكنهم يجهلون ما الضربة التي يوجهونها للشيعة وهناك الكثير من هذه الفئات من تقوم ببث هذه الصور عبر النت على المستوى العالمي ومعلوم ما الأهداف التي تحملها.

وفيما يتعلق بالدعاية وما ينبغي مراعاته قال كثيري: للدعاية شروط عامة على الجميع مراعاتها وأخذها بعين الاعتبار، وهذا الكلام يصدق على الغرب وأوروبا فعلى الداعية أن يحمل تلك السمات العامة، حتى يحقق النجاح في الدعاية، لكن بشكل خاص للدعاية متطلباتها: على الداعية أن يعرف ما الذي يريد تبليغه، وان يستوعب ثقافة الفئة المستهدفة وفقهها ومذاهبها وأديانها، كما يجب أن يشارك في الدورات حتى يصبح داعية، وهذا وان المكان الذي يريد القيام بالدعاية يشكل قضية مهمة، كما يجب الاهتمام بشخصية المخاطب ولغته واطر أفكاره. هذا ويتوجه إلى الغرب دعاة اغلبهم لا يعرفون الكثير عن الغرب والمخاطب ولغة المخاطب، ويتحدثون عن قضايا بعيدة كل البعد عن الواقع، من جهة أخرى هناك أشخاص يبقون لفترة طويلة في الغرب ويتعلمون هذه القضايا لكن من المؤسف إن البعض منهم لا يقوم بالواجب، لان الكثير منهم لا يحملون السمات المطلوبة للقيام بهذا الأمر، ويحرمون بهذا مخاطبهم من استيعاب الإسلام كما ينبغي.

وأضاف: على الدعاة أن يعرفوا بان ما يحدث لهم ليس ما تم التخطيط له أو خططت المؤسسات أو الجمعيات التي وجهت الدعوة لهم، على هذا يجب اتخاذ المرونة في تطبيق خططهم في مجال التبليغ، إذ وبعض الأحيان تسير الأمور خلافا لما هو متوقع، إذ من المقرر أن تقام المحاضرات في أجواء شيعية، لكن ولأسباب مختلفة يتطلب الأمر إقامتها في أماكن غير شيعية وتقديم المحاضرات هناك، هذا وكثيرا ما يحدث بان يشارك من غير الشيعة في مجالسهم، وبالتحديد الإخوة والأخوات من أهل السنة، أو أتباع الأديان الأخرى، كما حدث لي بأنه في عام 2008 وجهت دعوة لي بان أقيم مراسم عشرة الفجر في النمسا لكن بسبب غياب مركز للشيعة، أرغمت على إقامتها في مسجد للإخوة من أهل السنة، هذا وواجهت المراسم ترحيبا كبيرا. لكن القضية المهمة التي نغفل عنها أحيانا في الأنشطة الدعائية، هي التبليغ للسكان الأصليين في الغرب، ولم نقم في هذا المجال بأي عمل مهم، ضرورة هذا الأمر وسد هذا الفراغ هو إعداد دعاة لهذا الغرض، إذ يجيد اللغة والثقافة والتاريخ والبنية اللغوية والسمات الثقافية والإمكانيات الفكرية للفئة المخاطبة ويعرف الأحداث التاريخية وسماتها الفكرية.

يتبع….

النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *