الإسلام والتشيع في أوروبا والغرب, البروفيسور كثيري: أصبح التشيع اليوم “هوية دينية” في أوروبا والغرب (الجزء الاول)

يعمل حجة الإسلام والمسلمين البروفيسور حميد كثيري منذ أكثر من 25 عاما في مجال إعداد المصادر العلمية للدراسات الشيعية وقد شارك في مختلف المؤتمرات والندوات في مجال معرفة التشيع في أوروبا والغرب، وفي مقابلة مع وكالة شفقنا قدم نظرة شاملة حول الإسلام والشيعة في أوروبا والغرب.

 وقال: لقد دخل التشيع الأوساط الأكاديمية في الغرب وأوروبا وانتشر إلى الأوساط غير أكاديمية الأخرى. هذا هو السبب في أن التشيع لم يعد له ظل في الغرب (خاصة في المجال الألماني)، بل أصبح يتمتع بشعبية. التشيع يحمل الآن هوية دينية في أوروبا والغرب. في الواقع، التشيع هو الحركة الفكرية والدينية الأكثر ديناميكية في العالم كله.

وفي جانب من حديثه قد أشار إلى انه على الرغم من جهودهم المناهضة للإسلام، فإن المسلمين يتمسكون بقيمهم، وحتى على الرغم من الدعاية السلبية والإهانات والاضطهاد، فإن الأوروبيين والغربيين يعتنقون الإسلام أكثر من ذي قبل، لذلك يهين البعض مقدسات المسلمين بسبب الخوف من الإسلام. ويرون أن وجودهم وثقافتهم وفكرهم معرض للخطر. هذه النوع من الإهانة تعني انهيار نظام سياسي قائم على العقل والأخلاق واللجوء إلى الفوضوية والأزمات. أزمة تنشأ داخل أزمة أخرى.

وحول ما يجب القيام به عند الدعاية ونشر التشيع في الغرب وأوروبا قال: يجب أن يعرف الداعية ما يدعو إليه وأن يستوعب الثقافة والفلسفة والفقه والأنثروبولوجيا والدين الذي يريد نشره. يجب أن يكون قد تلقى التعليم في دورات مختلفة ليصبح داعية. وثانيا، عليه أن يعرف في أي مكان في العالم يريد أن ينشر فكرته، ومن هم جمهوره وبأي لغة يتحدثون وفي أي إطار ذهني يفكرون؟

واستطرد قائلا: في بعض الأحيان يأتي الدعاة إلى أوروبا، ومعظمهم ليسوا على دراية بالغرب وجمهورهم ولغتهم، ولهذا يتحدثون بقضايا لا صلة لها بالأمر. بالطبع، الأشخاص الذين لديهم خبرة وتعلموا من خلال التجربة كيفية التفاعل مع الغربيين يحققون النجاحات.

***

إليكم النص الكامل للمقابلة التي أجرتها وكالة شفقنا مع البروفيسور كثيري:

قال الباحث البارز في مجال التشيع عند الحديث عن الإسلام والشيعة في أوروبا والغرب وضرورة معرفة الأمر: إن معرفة التشيع في أوروبا والغرب مهم جدا. بادئ ذي بدء، من الضروري الانتباه إلى قضية مهمة وهي أن الحاجة والضرورة لمعرفة هذه المسألة تختلفان عن بعضهما البعض. في المرحلة الأولى علينا التطرق إلى الضرورة وإدراك أهمية الضرورة، وهذا يقودنا إلى مرحلة الحاجة، حيث نستكشف طرق التعرف على الاحتياجات وتلبية هذه الاحتياجات.

وأضاف: ضرورة معرفة المذهب الشيعي في الغرب وأوروبا لها جانبان، أحدهما يتعلق بالغربيين والأوروبيين أنفسهم. الغربيون يتعاملون مع التشيع اليوم، أي أنهم ليسوا فقط على اتصال بالفكر والفلسفة الفارسية، بل يتعاملون مع الفكر الإيراني والثورة الإسلامية الإيرانية التي حملت الطابع الشيعي.

وأضاف كثيري: الغربيون اليوم يتعاملون مع الشيعة في العراق وباكستان، التي تضم عدة ملايين من الشيعة، ومع أفغانستان، حيث ثلث الشعب من الشيعة، وهذا هو الأمر في الهند وروسيا وأذربيجان واليمن ولبنان. نسبة عالية من غير المسيحيين الذين يعيشون في الدول الأوروبية والغربية هم من الشيعة، لذلك من الضروري أن تعترف أوروبا والغرب بالشيعة وتقبل أن الشيعة يعيشون في بلادهم وينتمون إلى الغرب، وأن الغرب يعتمد عليهم. الشخص الأوروبي الذي ولد هنا وهو مدرس أو دخل في الأحزاب أو في المجتمع أو السوق، يجب أن يعامل على أنه شيعي وهذا الشخص يحمل هوية تسمى شيعية. لذلك، ما لم يفهموا هذه الهوية ولم يعرفوا الطريقة الصحيحة للتفاعل معها، لا يمكنهم فقط عدم الانخراط في التفاعلات السياسية مع الدول الإسلامية والشيعية ويكون لديهم تفاعل جيد؛ بل لا يمكنهم تحقيق النجاح في التعامل مع أبناء مجتمعهم؛ من الشيعة، من الضروري أن تؤخذ هويته بعين الاعتبار، وإلا فلن تتحقق العدالة في التعامل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي وخاصة التربوي والبحثي.

وقال: على سبيل المثال، ما يقارب نصف “علامة حلال” للشيعة وفي التعاملات الاقتصادية يجب أن يأخذها المخططون الغربيون بعين الاعتبار، لأنه في علامة حلال، لدينا اختلاف بسيط مع الإخوة السنة وهذه الاختلافات الفقهية يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار. بل إنه من الضروري ثقافيا أن يعرف الغربيون الشيعة جيدا وأن يتعاملوا معهم ثقافيا. اليوم أدبنا في الغرب أدب شيعي، وجامعاتنا شيعية، ومجلاتنا وبرامجنا، وكثير من شؤوننا الثقافية، مبنية على تعاليم شيعية، لذلك يجب أن يكون الغربيون على دراية بالثقافة الشيعية. قبل كل شيء، من الضروري أن يتعرف الغربيون على الأسس الأيديولوجية للدين الشيعي والتفاصيل الفكرية للشيعة، وإلا فلن يتمكنوا من التفاعل معهم دينيا. وقد أدى تحقيق هذه الضرورة بالنمسا إلى عقد مؤتمرات حوارية مع إيران بشكل مستمر لمدة 20 إلى 25 عاما، وحتى الآن تم نشر حوالي 20 مجلدا من إنجازات هذه الندوات التي جاءت على يد مفكرين غربيين وإيرانيين، بلغات مختلفة. لقد أدركوا هذه الضرورة وأخذوها على محمل الجد ودخلوا في تعاطي علمي على أعلى مستوى، لسنوات طويلة. طبعا مفكرونا وعلماؤنا أدركوا هذه الضرورة، وأخذوها على محمل الجد، ولسنوات عديدة وعلى أعلى مستوى علمي، أثاروا قضايا في إطار حوار الأديان، ومن وجهة نظر الشيعة، ونشروا مقالات وكتب مفيدة بالتعاون معهم.

وقال الباحث الدولي: لذلك من الضروري أن يعرف الغربيون، من سياسيين ومحامين ومفكرين واقتصاديين و. المذهب الشيعي من مختلف الزوايا. بالإضافة إلى الغربيين من غير الشيعة، هناك ملايين من الشيعة الغربيين يعيشون في الغرب اليوم والذين قدموا من دول أخرى أو اعتنقوا المذهب الشيعي. لا يزال العديد من هؤلاء الأشخاص مرتبطين بالثقافة الشيعية، ويحتاج هؤلاء الأشخاص إلى التعرف على الشيعة من أجل تعميق معرفتهم. بالإضافة إلى هذا هناك الكثير من الناس قد هاجروا إلى الغرب وليس لديهم مثل هذا الارتباط الوثيق مع الشيعة، ومن أجل الحفاظ على هويتهم الشيعية، فإنهم بحاجة إلى تذليل العقبات التي تقف في طريق معرفتهم بالثقافة الشيعية. لذلك من الضروري بالنسبة لهم معرفة الثقافة الشيعية والتعرف على هوية المذهب الشيعي، وإلا فيبتعدون عنها.

وتابع: لكن فيما سبق، كانت هناك مشكلة في نهج معرفة الشيعة، سواء من الغربيين غير الشيعة أو الغربيين الشيعة الذين يعيشون في الدول الغربية، حتى سنوات قليلة كانوا يتعرفون على الشيعة من خلال أعمال الغربيين أنفسهم. أي من خلال أعمال المبشرين الدينيين الذين كانوا يقومون بتقديم جوانب معينة من التشيع، أو من خلال أعمال المستشرقين الذين استمروا في نفس خطة التعريف بالشيعة كما كانت قبل قرن ونصف من الزمن. وهذا يعني أنهم قاموا بتدريس وتقديم التشيع من خلال قوالب نمطية محددة، قاموا هم بتشكيلها. لقد تعرف العلماء الغربيون على الشيعة من خلال الصور النمطية نفسها ، وقد بحثوا عنها وكتبوا عنها. يؤسفني القول بأنه كان على الشيعة الذين يعيشون في الغرب التعرف على المذهب الشيعي في نفس الكليشيهات. لذلك، حتى الآن، تعرّف الشيعة سواء كانوا شيعة أم غير شيعة على المذهب الشيعي من خلال أعمال غير شيعية، لأنه لم تكن هناك مصادر شيعية كتبها الشيعة، وكان غير الشيعة هم من كتبوا أو علموا كتبا شيعية.

واستطرد كثيري قائلاً: لكن في الآونة الأخيرة وبعد سنوات قليلة من انتصار الثورة الإسلامية وبعد إنشاء المراكز الإسلامية والملحق الثقافي، قام الشباب والعلماء ورجال الدين ومن خلال تقديم برامج للطلاب، بتقديم الهوية الشيعية في العالم. لكن ما تم فعله كان للعامة وتقريبا للمتحدثين باللغة الفارسية. النقطة المهمة هي أنه على الرغم من مرور حوالي عشرين عاما على دخول الدراسات الشيعية في أوساط الجامعات وحتى الجامعات الدينية الغربية (مثل الجامعات الكاثوليكية والبروتستانتية) والدورات التي عقدت والكتب التي أُلفت، غير أن هذه الكتب كانت من تأليف الغربيين أنفسهم وكانوا يقيمون الدورات ويديرون الدروس. ومع ذلك، بدأ الشيعة أنفسهم تدريجيا بنشر كتب ومقالات عن المذهب الشيعي، والتي كانت بشكل عام إما مترجمة أو مؤلفة، ومن ناحية أخرى كانت تخاطب العامة من الناس وليس العلماء والطلاب. أما الأسباب الكامنة وراء هذا الأمر هي:

غياب إستراتيجية علمية وبحثية.

عدم إتقان اللغة.

غياب المؤلفين.

غياب المعرفة بالأجواء الفكرية الغربية.

الدراسة في مجالات ليست لها صلة بالمعتقدات والفكر الشيعي.

لذلك، كان من الضروري التفكير في تقديم الحلول، ومن ثم وفي ضوء هذه النواقص، إطلاق خطة جديدة لنشر الشيعة. وبعون الله لقد تم اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه، وفي السنوات الأخيرة، ظهرت شخصيات في الغرب وفي الأوساط الأكاديمية الغربية؛ تعلمت لغة الفكر والثقافة والدين، وأصبحت على دراية بهذه الأطر العلمية المألوفة لدى الغربيين، وقدمت المفاهيم الشيعية بشكل صحيح للغربيين. لذلك، هناك اختلافات كثيرة بين هذه الأعمال والمصنفات التي نشرت فيما سبق في إطار النصوص المترجمة.

وأوضح: في الماضي لم تكن الترجمات الضعيفة والنصوص المنشورة، مناسبة للأجواء الفكرية الغربية، أما اليوم فالكتب، تكتب للغربيين بلغة ثقافتهم وفكرهم ودينهم، ويستوعبها الغربيون. 

وقال الباحث الشيعي البارز: كان من المفترض عقد مؤتمر في برلين لكن الحكومة الألمانية منعت إقامته. كان موضوع المؤتمر “الإلهيات الشيعية من الظل إلى النجاح العام في اللغة الألمانية”، أي كيف أصبح التشيع شائعا في مجال اللغة الألمانية (في ألمانيا وسويسرا والنمسا) وخرج من الظل، بعبارة أخرى فان التشييع خرج إلى العلن، بعدما كان في الهامش وكان يقوم الماركسيون أو اليهود أو المسيحيون أو الملحدون بتدريسه وأصبحت المؤتمرات تناقش قضاياه، وسماته وأصبح يحظى بترحيب العامة.

وأضاف:أحد أسباب هذا الأمر، هو أن الشيعة أنفسهم يعبرون عن مبادئ التشيع اليوم وبعض الشيعة يدرسون تعاليم الشيعة. لقد قمت بنفسي لسنوات عديدة في بلدان مختلفة بتدريس الإلهيات والفلسفة الشيعية والتصوف الشيعي وما يتعلق بالهوية الشيعية. وقد سمحوا لي بالأمر وطلبوا مني تدريسها. كنت أدرس في إيران عندما اتصل بي رئيس قسم الإلهيات في إحدى المدارس اللاهوتية الكاثوليكية النمساوية (حيث درست سابقا) وسألني: إذا كنا ندعوك للتدريس هل تقبل هذه الدعوة، وبما أنني كنت على دراية بهذا الشخص وبقدراته، قبلت دعوتهم.

و استطرد قائلا: بالطبع، كان هذا بسبب ما قامت به الحوزة، قبل أن يفكروا في دعوتنا، شعرنا في قم بالحاجة إلي هذه القضية وخططنا لاتخاذ خطوة في هذا الاتجاه أولا، وقبلهم، لمعرفة دينهم بالطريقة التي يدرسونها في جامعاتهم. بهذه الطريقة، أظهرنا لهم طريق التفاعل الإيجابي. بالطبع، استغرق الأمر بعض الوقت حتى أدرك مفكروهم أن التفاعل الصحيح مع الإسلام والشيعة هو ما بدأ في قم. لذلك، فإن الغربيين من غير الشيعة أنفسهم وصلوا إلى نتيجة بأنه من الضروري تعلم المذهب الشيعي كما هو ومعرفة مبادئه وتاريخه وتفسيره وفكره ومعتقداته وذلك على يد شيعي. خاصة من خلال الباحث الشيعي الذي شارك في هذه الفصول لسنوات عديدة، وجلس على هذه الكراسي في الجامعات وتلقى الدروس، واطلع على ثقافتهم وفكرهم ودينهم وسياساتهم في أعلى مستوى ممكن. وحصل على شهادة دولية من تلك الجامعات. وبهذه الطريقة، بحمد الله، دخل التشيع إلى أوساطهم الأكاديمية وانتشر في أوساط أخرى غير أكاديمية تدريجيا. هذا هو السبب في أن التشيع لم يعد اليوم في ظل في الغرب (خاصة في مجال اللغة الألمانية)، بل أصبح يحظى بترحيبهم.

يتبع…

النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *